منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ٥٠٤
فصل: فإن كان الرجل وحده، أو كان له من يمونه
و له كفايتهم و كان ذا كسب، فأراد الصدقة بجميع ماله وثوقا منه بحسن التوكّل و السعي في كسبه بقدر كفايته و كفاية من يمونه، كان سائغا، لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد سئل عن أفضل الصدقة: «جهد من مقلّ إلى فقير في السرّ [١].
فإن فقد هذان الوصفان في الرجل، كره له التصدّق بجميع ماله، لما رواه جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول اللّه، أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمَّ أتاه من قبل ركنه الأيمن و قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثمَّ أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ثمَّ أتاه من خلفه، فأخذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته، أو لعقرته، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «يأتي أحدكم بما يملك ثمَّ يقول: هذه صدقة، ثمَّ يقعد يستكفّ الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» [٢] و معنى قوله عليه السلام: «يستكفّ الناس» يتعرّض للصدقة و يأخذها ببطن كفّه.
و لأنّ إخراج جميع المال لا يؤمن معه فتنة الفقر، فيذهب ماله و يبطل أجره، و يصير كلّا على الناس.
فصل: و يستحبّ العطاء من غير مسألة
، لأنّ في المسألة إذلالا بالمؤمن.
روى ابن بابويه عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بعث إلى رجل بخمسة أو ساق من تمر
[١] مسند أحمد ٥: ١٧٨، مجمع الزوائد ١: ١٩٧ و ج ٣: ١١٦.
[٢] سنن أبي داود ٢: ١٢٨ الحديث ١٦٧٣، سنن الدارميّ ١: ٣٩١، سنن البيهقيّ ٤: ١٨١.