الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٣٩ - دلیلان علی استفادة التعبّدیّة من القرآن و السنّة
و بالجملة، فالمنصف لا مجال له من تسليم ذلك؛ إذ العبادة ليست على ما اصطلح عليها الفقهاء بحسب اللغة، فإنّ المراد بها لغةً هو التذلّل و الانقياد و يعبّر عنه بالفارسيّة ب «پرستش و بندگى¬كردن و ستودن و ستايش¬كردن» و نحو ذلك ممّا لا مدخل لها بالأفعال التي اصطلح عليها الفقهاء. و لعلّ ذلك ظاهر لا ينبغي الإطالة فيه.
و أمّا الجواب عن الوجه الثاني [١]، فبأنّ «الدين» له احتمالات و إطلاقات:
فتارةً: يكون المراد به ما عرفت من معنى العبادة، كما يظهر من الآيات السابقة.
و أخرى: يكون المراد به الطاعة، كما قيل في قوله- تعالى: (وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ) [٢] أي لا يطيعون طاعة الحق.
و مرّةً: يكون المراد به الجزاء، كما في قوله- تعالى: (مالِكِ يَوْمِ الدين) [٣].
و تارةً: يكون المراد به الإسلام، كما في قوله- تعالى: (إِنَّ الدين عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) [٤].
لا إشكال في أنّ المراد به في الآية ليس هو الجزاء؛ لعدم تعقّله فيها على ما هو ظاهر و الكلّ محتمل. و على التقادير لا يتمّ التقريب؛ إذ الاستدلال موقوف على أن يكون المراد ب «الدين» خصوص الأعمال الفرعيّة المأمور بها في الشريعة. و لا دليل على أنّ المراد به في المقام هو خصوص ذلك مع كونه معنى مجازيّاً غير ظاهر من مساق الاستعمال.
و الإنصاف: أنّ الظاهر من «الدين» هو العبادة التي يرادف الانقياد و الإخلاص فيه عبارة عن عدم اختلاطه بالانقياد لغير وجهه الكريم، فيكون المراد به أنّهم مأمورون بالانقياد و التذلّل حال كونهم مخلصين له التعبّد و الانقياد من غير اختلاطه بانقياد غيره، كما ينظر إلى ذلك التفاسير المنقولة و الآيات المشابهة لها في المساق.
[١] . عطف على قوله: «و الجواب أمّا عن الوجه الأوّل».
[٢] . التوبة: ٢٩.
[٣] . الفاتحة: ٤.
[٤] . آل عمران: ١٩.