الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٥٣ - القول الأوّل صیغة الأمر حقیقة في الوجوب (الطلب الوجوبي)
أقول: لم ِیثبت ذلك بعد کثرة الأوامر الواردة في المندوبات بحِیث کانت أکثر من الواجبات بأضعاف.
و قال المحقّق الرشتيّ رحمه الله : «إنّ المراد بالوجوب الذي استعملت فيه الصيغة هو الطلب المؤكّد البالغ حدّ المنع من الترك ضدّ الغير البالغ منه الحدّ المذكور؛ فإنّ الطلب و إن كان أمراً وجدانيّاً بسيطاً إلّا أنّه بحسب الشدّة و الضعف له مراتب مختلفة متشتّتة، فأوّل مرتبة الطلب و هو الغير البالغ حدّ الحتم ندب و هو أيضاً باعتبار الشدّة و الضعف له مراتب مختلفة. و من هنا اختلف مراتب المستحبّات بالتأكيد و عدمه إلى أن بلغ من التأكيد مرتبةً لا يرضى معه الطالب بتركه فيكون وجوباً حينئذٍ و له أيضاً مراتب مختلفة بعضها فوق بعض. و لذلك يحصل الاختلاف في مراتب الواجبات و يكون بعضها أهمّ من الآخر» [١].
و قال المحقّق الداماد رحمه الله : «الصواب أنّ الصيغة وضعت لإنشاء الطلب و إيجاده في عالم الاعتبار. و هذا البعث الإنشائيّ و الطلب الموجد بالإنشاء يقتضي الفعل كالبعث الخارجيّ و إنّما يستكشف به الإرادة الوجوبيّة من جهة أنّه بما هو مقتضى للفعل و ليس فيه الإذن في الترك، فما لم يدلّ دليل علِی رضا الأمر بالترك، يجب الحركة علي وفق مقتضاه و بهذا يستكشف الوجوب» [٢].
أقول: إنّ الصحِیح أنّ الأمر ِیقتضي الفعل من ناحِیة الأمر فقط و الوجوب ِیحتاج إلِی القرِینة؛ فإنّ أوامر الفسّاق و الظالمِین أمر ِیقتضي الفعل من ناحِیة الأمر فقط و إن کان أمراً مبغوضاً شرعاً. هذا کلّه في مقام الوضع. و أمّا القرائن الخارجيّة ففي کلّ مورد لا بدّ من متابعتها في فهم المراد و لا دلِیل علِی استکشاف الوجوب.
قال بعض الأصولِیِّین حفظه الله: «لا ينبغي الإشكال في أنّه إذا جاءت صيغة الأمر مطلقةً و
[١] . بدائع الأفکار: ٢٦٤.
[٢] . المحاضرات (مباحث أصول الفقه، المحقّق الداماد)١: ١٥٨.