الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ٤٠٢
ولا تفويض أيضا ؛ لعدم استقلال العبد قدرةً، وقدرته تؤثّر بإذن من اللّه سبحانه ، فأمر بين الأمرين . و«المشيئة» : جعله تعالى في العبد القدرة على الفعل بإذنه ، والترك بإذنه . و«الإرادة» : خلقه الخير فيمن يحبّه والشرّ فيمن يبغضه ، ثمّ تقديره وتحديده ما أراد بمثاله وأجله ، ثمّ القضاء والحكم ، ثمّ الإذن والإمضاء ، فيصدر أمر بين أمرين بفعل الفاعل وإيجاد الخالق تعالى . وتوضح لك مصاديق الحالات الثلاث من هذه الأمثلة : إذا كان رجل على مرتفع وآخر أسفل منه فيعلو منه في الأسفل بأنحاء ثلاثة ، إمّا بأخذ مَنْ في العالي على يد مَنْ في الأسفل من غير علاج ممّن في الأسفل فهو الجبر ، وإمّا بسعي مَنْ في الأسفل وقوّته بلا شائبة علاج وتأثير ممّن في العالي فهو التفويض ، وإمّا بأخذ الأعلى على يد مَنْ في الأسفل وقوّتهما وعلاجهما وتأثير سعيهما فهو أمرٌ بين الأمرين . ثمّ اعلم أنّ المشيئة تؤكّد بالإرادة ، والإرادة بالتقدير ـ تقدير القَدْر والوصف ـ والتقدير بالحكم ، والحكم بالإذن ، ويثبت بالإذن النقش والمثال الممتاز عن غيره في الأعيان بمدّتها أيضا من أوّلها إلى آخرها ، فحقيقة مشيّته تعالى جعله في العبد قدرةً على الخير والشرّ ، فإذا شاء خيره فعل الخير بتوفيقه ، وإذا شاء شرّه فعل الشرّ بخذلانه ، فالجاعل بقدرته هو اللّه سبحانه والفاعل باختياره هو العبد . والفرق بين الأمر والمشيئة ظاهر كما سيجيء في الثالث من الباب التالي ، فلا يصدر شيء من عبد إلّا بإذن اللّه ، لكن الخير بإذن منضمّا بأمر اللّه ورضائه ، والشرّ بإذن منضمّا بنهيه وإكراهه . ومَثَل اختيار العبد كَمَثَلِ العصير العنبي من شأنه أن يصير دِبسا أو خمرا . والعلم عند اللّه وحججه صلوات اللّه عليهم . وفي الحديث القدسي ـ كما سيذكر في باب الخير والشرّ ـ : «إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا ، خلقت الخير ، وخلقت الشرّ ، فطوبى لمن أجريتُ على يديه الخير ، وويلٌ لمن