الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ١٥
و«الفاء» في (فلا يشتبهان) بيانيّة ؛ أي قدرا ونسقا ، بل محفوظ ذلك على نسق واحد ونظام محفوظ حتّى يعود إلى مثل ما كان عليه . وضبط برهان الفضلاء : «ولا يستبهان» بالواو والسين المهملة ، أي لا يفتران بطول الدهور مرّا ومرّا للأدوار كرّا . من الاستباه بمعنى شدّة فتور الجسد من فرط الهَرَم . (إن كان الدهر يذهب بهم) إلى آخره ؛ برهان آخر . حاصله : أنّ الأفاعيل في العالم من الحركات والسكنات وغيرهما في العناصر والمواليد والأفلاك والفلكيّات والفصول والأزمان إن كان من الدهر وكان هو يذهب بالناس حكما حكي في قوله تعالى في سورة الجاثية : «وَقَالُوا مَا هِىَ إِلَا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَا الدَّهْرُ» [١] وهي على زعم الدهريّة أيضا على نسق واحد ونظامٍ مضبوطٍ، فلِمَ لا يردّهم إلى الدنيا على ما ذهب بهم من الصور والأذهان والشؤون والأكوان ؟! وإن كان يردّهم فلِمَ لا يذهب بهم على ما كانوا عليه من الأعمار ؟ فثبت أيضا أنّ القوم مضطرّون في الإقرار بربوبيّة ربّ العالمين ، ومثل هذا العالم بمثل هذا النظام العظيم والنسق المضبوط القويم ينادي كلّ ذرّة منه بأنّه مصنوع مدبَّرٌ مستقيمٌ لصانعٍ مدبّرٍ حكيمٍ عظيمٍ . وقال بعض المعاصرين : يعني أنّ إذهابهم وردّهم متساويان في الجواز ، فلابدّ في وقوع أحدهما من مرجّح موجب ، وينتهي لا محالة إلى واجب بالذات . ثمّ قال : وكان المراد بإذهابهم إذهابهم إلى العدم والفناء ، وبردّهم ردّهم إلى الوجود على سبيل التناسخ كما كانوا يعتقدونه . [٢] أقول : ليس بيانه هذا بيان كلام الحجّة المعصوم في إبطال مذهبهم كما بيّنّا ، بل تقرير لمذهبهم بزيادة تثبيت له ؛ فإنّ اعتقادهم أنّ المرجّح الموجب للعود بعد آلاف من السنين إلى وضع الدور السابق بعينه هو الدهر. والجواب القاصم ظهورهم: أن ما
[١] الجاثية (٤٥) : ٢٤ .[٢] الوافي ، ج ١ ، ص ٣١٣ .