الهدايا لشيعة ائمّة الهدي - مجذوب التبریزي، شرف الدین محمد - الصفحة ١٩٢
وقال الفاضل الإسترابادي رحمه الله : «خلق اللّه المشيئة بنفسها» . الأئمّة عليهم السلام تارةً يطلقون المشيئة والإرادة على معنى واحد ، وتارةً يطلقونهما على معنيين مختلفين كما سيجيء . والمراد بهذه العبارة الشريفة أنّ اللّه تعالى خلق اللّوح المحفوظ ونقوشها من غير سبق سبب آخر من لوح ونقش ، وخلق سائر الأشياء بسببهما ، وهذا مناسب لقولهم عليهم السلام : «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلّا بأسبابها» . [١] أقول : سبحان اللّه كلّ حديث من أحاديثهم عليهم السلام في كلّ باب لا سيّما في باب التوحيد بحر زخّار لا ينزف ولو بالفرض والتقدير ، ولا يصل إلى ساحله سيّاح بالعلاج والتدبير بل كلّ متبحّرٍ يسيح في حوالي لجّته بقدر قوّته من التصوّر والتصوير ، وكثير من القوّة هنا قليل من الكثير . وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله : «خلق اللّه المشيئة بنفسها» أي أبدع المشيئة واخترعها بنفسها لا بمشيئةٍ اُخرى ، فكانت المشيئة أوّل صادر عنه ، ثمّ أبدع الأشياء المرادة بالمشيئة ، فكان صدور الأشياء عنه بعد صدور المشيئة عنه . ولمّا كان بين المشيئة والمراد مراتب ـ كما ستطّلع عليه ـ أتى بلفظة «ثمّ» الدالّة على التراخي . وإطلاق الخلق هنا بمعناه الأعمّ ، ولذا صحّ إسناده بالمشيئة التي هي من عالم الخلق . [٢] وقال السيّد الدّاماد رحمه الله : المراد ب«المشيئة» في هذا الحديث : مشيئة العباد لأفعالهم الاختياريّة ؛ لتقدّسه سبحانه عن مشيئة مخلوقه، زائدة على ذاته عزّ وجلّ . وب«الأشياء» : أفاعيلهم المترتّب وجودها على تلك المشيئة ، وبذلك تنحلّ شبهة ربّما اُوردت هاهنا : أنّه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة
[١] الحاشية على اُصول الكافي ، ص ١١٨ .[٢] الحاشية على اُصول الكافي ، ص ٣٧٠ .