محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤٨ - الخطبة الأولى
حياة القبور للمؤمن إنّما هي لذائذ روح وطيّباتها وموائدها، ورَوح وريحان تنتعش له، ويهنيها.
ويأتي الحديث عن الصَّادق عليه السلام ليدلَّ على أنّ النّاطق في القبر إنّما هو لسان الإيمان والعمل الصالح:" إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرُّ مطلٌّ عليه، ويتنحّى الصبر ناحية، قال: فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبِرّ: دونكم صاحبكم ٩، فإن عجزتم عنه فأنا دونه ١٠" ١١.
هذه الأعمال الصالحة وغيرها من جنسها، وما لكل هذه الأعمال من خلفية الإيمان الصَّادق هي الرصيد الكبير بعد رحمة الله الواسعة، وهي فريق الدّفاع، ومنها تتأتّى الحُجّة، وتُتلقّى، ويتيسّر الجواب، وبها يسهل الامتحان، وتُتجاوز العقبة ١٢.
ولا ينفع صاحب القبر من بعد انقطاع عمله بُكاءٌ ولا نحيب من صديق ولا حبيب، ولكن ينفعه مثل ما جاء في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" مرّ النبي صلّى الله عليه وآله بقبر دفن فيه بالأمس إنسان وأهله يبكون فقال: لركعتان خفيفتان مما تحتقرون ١٣ أحبُّ إلى صاحب هذا القبر من دنياكم كلّها" ١٤.
إنَّ بكاء الأهل لمفارقة حبيبهم هذه الدّنيا، وانقطاعه عن لذائذها، وتغييبه عنها. ولكن من فارق الدنيا وعاين الحقيقة صغُرت الدّنيا في عينه إلّا ما كان فيها من عمل صالح فيه نجاة، بينما للركعتان شأن عظيم حيث تقدّمان زاداً كبيراً من زاد الآخرة. وليس بعيداً على معنى الحديث أنّ فرحة المؤمن في قبره بثواب ركعتين خفيفتين يُهدى له أكبرُ في نفسه وفي أثره الكريم مما لو أُعطي الدّنيا وهو فيها. فهنيئاً لعبد وَجَد من يصِلُه بِبِرّه من بعده