محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٩ - الخطبة الثانية
يهزمه المال ولا المنصب والشهرة ولا كل إغراءات الدنيا لو اجتمعت، ولا تفصِل عنه الشدائد والكوارث والتحديات والأزمات.
الدّنيا لم تنل من هم الآخرة في نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله والصادقين من أهل بيته عليه وعليهم السلام شيئاً وقد ضربوا المثل الأعلى في أن هم الآخرة وشوقها لا تقاومه إذا صدق كل شهوات الدنيا.
وكان لابد في الرسول صلى الله عليه وآله وقادة الدين الحقيقيين من بعده أن يصدق فيهم الدّين، وأن يصدقوا مع الدين، وأن تقدّمه سيرتهم العملية ومواقفهم اليومية للناس على واقعه وضّاءَ، شفّافاً، نزيها، قويا، قادرا، غلّاباً، صادقا، متفوّقا، وإلا لم يكونوا الأئمة والقادة، ولما أمكن أن تصل رسالة الدِّين للناس صادقة مصدّقة.
صار مال التجارة العريضة لخديجة رضي الله عنها وأرضاها في تصرف الرسول صلّى الله عليه وآله، وكان يمكن أن يكون جسره للدّنيا ولكنه أنفقه في سبيل الله، وعرضت عليه قريش المال والجمال والمنصب إلا أن ذلك وما هو أكبر منه وأعظم من كل إمكانات قريش لا يمكن أن يصرف القلب المولع بربه العظيم عن التعلق بجلاله وجماله وكماله رغم الصعوبة على طريق الصعود.
وكان صلّى الله عليه وآله الحاكم، فما فارق حياة الزهد والتقشّف والاستيحاش من الدنيا، ونظرة الازدراء إلى شهواتها.
وكما اختار التجافي بنفسه عن زخارف الحياة كان خياره لأشد المقرّبين منه ابن عمّه وكريمته الطاهرة والحسنين عليهم السلام جميعاً هو نفس الخيار.