محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٦ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي لو شاء أن يجبر العبادَ على طاعته لأجبرهم، ولكنّه امتحنهم في ذلك بتخييرهم وإنْ أوجب عليهم الطّاعة تشريعاً وهو الغنيّ عنهم تكميلًا لهم، ورفعاً لمنزلتهم، وإيصالًا لهم إلى غايتهم التي ارتضاها.
والذي لو شاء لأفناهم لمعصيتهم ولكنّه يمهلهم برأفته وحكمته فمن تاب وأناب عفى عنه، وأعظم مثوبته، ومن أصرّ على الطغيان زاده ذلك بُعداً عن الرَّحمة، وضاعف عليه العذاب.
وهو مُذِلُّ الجبَّارين، وقاهر المستكبرين، ومأوى المستضعفين، ونصير المظلومين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وزادهم تحية وبركة وسلاما.
عباد الله ألا فلنتّق الله، وماذا نال من لا شأن له بالتقوى ولا حظّ له فيها غير نصيب من الدّنيا قد ينقص، وقد يزيد ولكنّه لا يبقى. وكلّ ما أصاب أحد من دنياه من دون خير الآخرة وإن كثر قليل، وهو بما ينتهي إليه صاحبه خسارة.
وماذا خسر من اتقى فإنه يستوفي رزقه، ويربح نفسَه، وتزكو ذاتُه، ويُرضي ربّه، ويخرج من هذه الدنيا مشكوراً راضياً مرضيّاً مسروراً محبوراً.
فليلزم مؤمن جانب التقوى، وليأخذ بطاعة ربّه، وليسعَ حياته طلباً لرضاه؛ فإنه لا حصيلة لحياتنا أكبر من هذه الحصيلة، ولا خاتمة تُطلب خيراً من خاتمة يؤدي إليها هذا الطريق.