محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١ - الخطبة الأولى
" اللهم إنك آنس الآنسين لأوليائك ... إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك، وإن صبّت عليهم المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك ..." ٤.
من أين يحصل الأنس؟ من الاطمئنان، والأمن والإحساس بالدعم، والغنى، والقوّة، والاكتفاء، والحماية، بالتعويض، بالإكرام، بالكرامة، وهل من شيء من ذلك يفوت أو يغيب عن نفس مؤمن اتّصل قلبه بالله؟! القلب المتصل بالله، النفس المنفتحة على الله عز وجل، هل ينقصها شيء من ذلك لتفقد أنسها؟!
الله في هذه النفس أكبر كبير، وأقدر قدير، وأرحم رحيم، فلِمَ لا تأنس؟!
" ثمرة الأنس بالله الاستيحاش من الناس" ٥.
ما السر أن المرء إذا استأنس بالله استوحش من الناس؟ بمعنى أنه لم يجد أنسه فيهم، وإذا وجد في مؤمن الأنس وجده أقل مما يجده في ساعة ينفتح فيها قلبه على الله، وإذا وجد أنساً في مؤمن إنما يجد هذا الأنس في المؤمن لأنه يذكّره بالله.
وما السرّ؟
السر أن الجمال الأكبر يسقط قيمة الجمال الأصغر، وأنّ القوّة العظمى يضيع أمامها تأثير القوة الدنيا، وأنّ الغنى الأكبر لا تبقى للغنى الأصغر معه قيمة.
قمّة من القمم تقف أمامها مدهوشاً، ولكن إذا وقفت أمام قمة أخرى هي أبعد سموقاً، ولها امتداد أكبر لم يبق للقمة الأولى من أثر في النفس، الهيبة، والتعظيم ينصرف إلى القمّة الأعلى.
" من انفرد عن الناس أنس بالله سبحانه" ٦.
ما السر؟ السر أن الأسباب تحجب كثيراً من القلوب عن مسبب الأسباب، فإذا ارتبطت بآثار غنىً عند شخص ربما شدّت هذه الآثار ذهنك وقلبك إليه بما يُنسي هذا القلب ربّه،