محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٢ - الخطبة الأولى
الآخرة، وأن يتّخذها الناس وسيلة لها. ولقد كان صلّى الله عليه وآله الزاهدَ فيها، العازف عنها، المستعلي على زخارفها وزينتها.
وما من مريد للآخرة إلا ويستوفي نصيبه المكتوب له من الدنيا، وما من مريد للدنيا يستوفي منها أكثر من حاجته إلّا وأضرّه ما أخذ.
وماذا يحتاج الإنسان من هذه الدُّنيا حتّى يبلُغ أجله أكثر من نَفَسٍ يتنفسه، ولقمة يطعمها، وشربة يستسيغها، وثوب يستره، وجدار يكنُّه، وراحلة تقطع به ما بينه وبين حاجته البعيدة، وأنثى يألفها ذكر، وذكر تألفه أنثى، وإنسان يأنس به إنسان وما ماثل هذه الأمور أو وقع في طريقها. ولولا شرَهٌ، وأثرة، وجنون مادي، ونهب وسلب وسرقات، وتبذّخٌ ضارّ، وترفٌ مهلك، وأطماعٌ لا حدّ لها، وحروبٌ طاحنة، وحرق ثروات بهذه الحروب، وإنفاقٌ حرام، وفسادٌ في الأرض يزيد من حدّة الأمراض، وانتشار الأوبئة، وسياسات طاغية، وأخلاق متفسِّخة، وعبث بالثروة، وتراخٍ عن الإنتاج لفاضت الخيرات عن الحاجات، وما احتاج الناس لأن يتركوا الآخرة للدنيا، ولا أن ينسوا أنفسهم لحساب المال.
ولن ينتقل أحدٌ من هذه الدنيا من مؤمن أو كافر وبيده شيء منها إلّا ما قدّمته نفس لغدها من عمل صالح تلقاه محفوظاً مجزيّاً بخير جزاء عند الله، أو عمل سيء تجده خِزياً وذُلًا وهواناً، وعذاباً أليماً مقيما، أو ساعة ذهبت من العمر فراغاً بلا جدوى تكون ندامةً وحسرةً غائرتين في النّفس موجعتين.