محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨ - الخطبة الأولى
ويرى الإمام عليٌّ عليه السلام أن من يُغريه من الناس إحسان الله عز وجل إليه بالإساءة، والذهاب بعيدا في الذنب، والمكابرة لله لكثير كثير. وما أكثر ما ينسى الأغنياء والأصحّاء، ومن لهم نصيب من علم الدنيا، وأصحاب النعم الأخرى ما داموا في النعمة أنها من الله، وأن عليهم فيها حقّاً، وأنهم غير مالكين لها ابتداءً ولا بقاء، وأن ليس لهم أن يستعينوا بها على معصية المنعم، ومواجهة دينه، والإضرار بعباده.
والله عزّ وجلّ يستر كثيراً، ويمهل كثيراً، وفي هذا فرصه كبيرة للعبد العاصي بالتراجع عن ذنبه، وأن يرعوي عن غيِّه، ولا يقوده الشيطان الرجيم، والنفس الأمّارة بالسوء من معصية إلى معصية، ومن قبيح إلى قبيح حتى ينفضح أمره، ويهتك عِرضه، وتسقط قيمته في الناس، فييأس من استرجاع موقعه الاجتماعي، وشرفه الضائع، وسمعته التي أهدرها، فيستبدّ به الشيطان، وتستحكم قبضته عليه بدرجة أكبر، فيدبر عن ربّه الغنيّ الكريم تماماً ليجد نفسه الخاسر البائر الحقير المهين.
هذه الفرصة من الستر التي تعين على التراجع عن السوء، وعلى حفظ كرامة العبد ومصلحته يضيّعها الكثير من العصاة، ويتخذون من ستر الله عليهم داعياً للتّمادي في القبائح والورطات متوهّمين أنهم قادرون على التستر الدائم بالمعصية، والاحتماء من الفضيحة إلى أن يجدوا أنفسهم مفضوحين أذلاء مستصغرين معزولين، وقد رفع الله عز وجل عنهم الستر، وكتب عليهم الهتك الذي أصرّوا على السعي في طريقه، ودأبوا على طلب الوصول إليه، وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٢.
وما ينتظر المستخف بستر الله، المقيمَ على معصيته في الآخرة من العقوبة والفضيحة أعظم وأعظم. هناك قد يكون إعلان الفضيحة على رؤوس الخلائق أجمعين بمن فيهم أشرف الناس وأعلاهم قدرا.