محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧ - الخطبة الأولى
والإحسان من الله تبارك وتعالى عامٌّ للعباد، وقد يأتي رحمة وتكريماً لمن أخلص الطاعة، وقد يأتي عقوبة واستدراجاً لمن أوغل في المعصية، والإحسان لمثل هذا العبد إنما يزيده نسياناً وطغياناً ليسفل أكثر فأكثر، ويتمادى في الخسران.
فالمستحق لهذا والذي لا ينفعه التنبيه، ومن قد أفقد نفسه بإصراره وعناده واستكباره على الله عزّ وجل فرصة العودة إلى الحق قد تراه تتوالى عليه النعم، ويزداد خيراً من خير الدنيا الذي يفرح به أهلها بلا تخلل من بلاء ضيق وفاقة، ومرض وسقم، ونكبات زمن، ومفاجآت أليمة؛ وهو امتحان يُخرج على السطح كلّ ما في هذه الذات من جهل وغرور وعنجهية، وروح استكبار، وخبث. إنه الامتحان الذي يفضح الذات، ويعرّيها أمام صاحبها والناس.
ومثل هذا المرء قد استدرجه الإحسان وأخذ بيده شيئاً فشيئاً من حيث لا يدري إلى أن ينكشف عن نفسٍ خبيثة، وذات سيئة، ووجود لئيم.
ولو كان مكنون النفس طيّباً، ومخزونها كريماً، وسريرتها صالحة لما داخلها بسبب توالي الإحسان من الله وهم أنها على قدرة في ذاتها، ودقّة تفكير، وحسن تدبير، وقدرة على معالجة للأمور، وتحقيق النجاح من عند نفسها، ولما قادها ذلك إلى نكران النعمة، وتضييع الشكر للمنعم.
إن الإحسان من العظيم الأعظم تبارك وتعالى يستدرج الخبيث بتقصيره إلى أن يظهر على أخسّ حال من نفسه، وأسوأ عاقبة لعمره.
بينما يأخذ ذلك الإحسان بالذات الراشدة على طريق وعي عبوديتها الذليلة لله، وتفضّله عليها، وثقل مننه لها، وعظيم واجب الشكر له لتخلص العبودية، وتستثمر العمر في الطاعة، وطلب القربة، وتقدِّم الآخرة على الأولى.