محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠ - الخطبة الأولى
أمّا ما يقابل ذكر العبد للرب من ذكر الرب للعبد فهو ذكر فوق ذلك الذكر، وعناية فوق تلك العناية، وهداية فوق تلك الهداية. إنه ذكر يكفي العبد ما أهمّه، ويؤمنه مما يخافه، ويحفظه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وشماله، ومن تحته ومن فوقه، ويُعلي شأنه، ويعزّ جانبه، ويحرس قلبه، ويصون شرفه، ويعصمه من السوء والزلل، ويأخذ به إلى الطريق، ويسلك به إلى الرضى، وينتهي به إلى الغاية، ويحقّق له السعادة.
وسواء كان الذكر من الربّ للعبد أو من العبد للربّ فهو لصلاح العبد ٣ ونفعه وسعادته وتكميله، والأول واضح أمره إذ هو عناية ورعاية وإنقاذ وإمداد، وتسديدٌ وتصويب، ورفع مقام، وإعلاء شأن للعبد. أما الثاني فلأن ذكر العبد لربّه من شأنه أن يهذّب العبد ويؤدِّبه، ويعينه على نفسه، ويعالج عيوبه، ويعطيه الطمأنينة ويثبّته على الصراط. وليس لله عزّ وجلّ من ذكر العبد ما يقدّم له شيئاً فهو الغني المطلق، والكامل الذي لا يمكن أن يكون له مثيل ٤، ولا يحتاج أبداً إلى استكمال.
وكما أنّ على العبد أن يذكر عظمة الله وربوبيّته وجماله وجلاله وهيمنته وسلطانه وقدرته فإن عليه أن يشكر نعمه ٥ التي لا وجود ولا حياة ولا خير للعبد إلا بها. أمران علينا ذكرهما: ذكر عظمة الله عزّ وجلّ وجلاله وجماله من جهة، وذكر نعمه وآلائه تبارك وتعالى ... وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ والشكر واجب دائم لأن موضوعه وهو إنعام الربّ على العبد دائم غير منقطع، وإن كان فقد نعمة يسيرة لوجه من وجوه الحكمة الثابتة قد يُنسي العبد كلَّ النعم وهي لا تُعدّ ولا تُحصى. حُمّى شديدة قد تُنسي أحدنا نعم الله التي لا تعدّ ولا تحصى عليه،، والإنسان دائما معرض للغفلة، معرض للنسيان، يستولي عليه ظرفه، ويوقعه في الغفلة عن آلاء ربّه الكريم الرَّحيم.