محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٥ - الخطبة الأولى
والآية الكريمة الثانية تقول: وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ. ١٠
وكثيراً ما يظلم الناس آيات الله من الآيات الكونية الطبيعية بالتنكّر لدلالتها الواضحة، وآيات الأحكام بمخالفتها، والآيات المتمثلة بالنماذج الإنسانية العليا من صنع التربية الإلهية بمكابرتها ومحاربتها والإعراض والاستخفاف بحجيتها وإشعاعاتها. ١١ وهو ظلم للنفس كذلك لأنه يعمل على تقليل شأن القيم الأصيلة، وانفصالها عنها، وطمر صوت الفطرة وإطفاء نورها.
وكلُّ خسارة في حياة الإنسان موجعة له، مكدِّرة صفو جوّه. وكثيرٌ هم الذين يهلعون ويفزعون، ويغلبُ الألمُ على أنفسهم إلى الحد الذين يختارون له الموت لخسارة مال كبير، أو منصب خطير، أو جاه عزيز، أو صحة وفيرة، أو نعم أخرى غامرة إلا أن خسارة النفس والأهل يوم القيامة لا تقاس بها خسارة أخرى، لأنها خسارة أكبر رصيد في وجود الإنسان وهو إنسانيته التي بها كرامته وما به عُدّة كماله، ووسيلته إلى سعادته. وحتى خسارة بدنه التي يفزع لها أشد الفزع في حياته لا تعدل شيئاً من خسارة نفسه بخسارة إنسانيته. ١٢
خسارة الإنسان لإنسانيته المهيئة إلى مقام الكرامة والسَّعة والحبور الأبدي عند ربه بيّنة لا ينبغي أن يشتبه فيها مشتبه، ولا يُخطئها نظر، وقد عبرت عنها الآية الثالثة بالخسران المبين، والخسران أبلغ من الخسارة كما يقول صاحب الميزان. وقد جاء التعبير القرآني الكريم مشدَّداً ومؤكَّداً إذ أشار إلى تلك الخسارة بلفظ (ذلك) إلفاتاً إلى بعدها عن التصور