محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٨ - الخطبة الأولى
المعرفة ممكن وممتنع:
لقد هدى الله الإنسان إلى معرفته، وأتاح له أن يترقى في هذه المعرفة التي لا جلال لمعرفة يساوي جلالها.
وعن الإمام الحسين عليه السلام:" جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: ما رأس العلم؟ قال: معرفة الله حقّ معرفته. قال: وما حق معرفته؟ قال: أن تعرفه بلا مثيل ولا شبيه، وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً، أولًا وآخِراً، ظاهراً وباطناً، لا كُفوَ له، ولا مثل له. وذلك معرفة الله حق معرفته" ٣.
فأن يرى العقل، ويتيقن القلب بوحدانية الله وأحديّته، وأسمائه الحسنى، ويملأ ذلك وجدان الإنسان، ويملك عليه مشاعره، ولا تغيب عنه هذه المعرفة ولا تغيم في شعوره، ولا يغلب عليها ظرف من الظروف، ولا يُلهي عنها شيء، ولا يحول بينها وبين القلب حائل من دون الله وأن تحكم الحركة والسكون من صاحبها أمر ممكن بل ومتحقّق بدرجته العالية في واقع فئة من الناس كالرسل والأئمة عليهم السلام.
أما حقيقة الذات والصفات الإلهية المتعالية فلا سبيل لمخلوق على الإطلاق أن ينالها بعقل أو بقلب، فإنها أبعد من أن تُنال بعلم، أو ظن، أو خيال، أو وهم، فكل ذلك له منتهى ٤ لا وجود له بعده، ومدى لا امتداد له وراءه، وحدّ لا يتعداه، والله عزّ وجل لا تحدّه حدود، ولا تقف بكماله الآماد، ولا الآباد، وهو فوق كل أفق رفيع وأرفع وأرفع من آفاق الكمال، وأبعد من كل بُعْدٍ بعيد وأبعد وأبعد من أبعاد العزّ والمجد والعظمة والجلال والجمال.
كل شيء مخلوق فأنّى له أن ينال الخالق؟! وكل شيء خاضع للحدود فأنّى له من إدراك من لا حدّ له ولا نهاية؟! وكل شيء مقدّر فأنّى له أن يحيط بمقدِّر الأقدار وهو فوق كل تقدير؟!