محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٧ - الخطبة الأولى
رسالة المسجد والجمعة والجماعة وكل العبادات الثابتة الأخرى صناعة النموذج الإنساني الراقي الرائع فرداً ومجتمعاً وأمّة على طريق العبودية لله سبحانه؛ عبودية صادقة، عبودية عقل وقلب، وإرادة، وخطى تهتدي بهدى الله، وتتخلّق بأخلاق دينه، وتأخذ بأحكام شريعته، وتهدف إلى رضاه، ولا يُرضي الله عزّ وجلّ إلا النظيف الطاهر الصالح الجميل.
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي لا يفوتُ علمَه شيء، وكيف يفوتُ علمَه ما وجوده عدمٌ لولا فيضه؟! والذي لا يشتبه عليه شيءٌ بشيءٍ، وكيف تشتبه عليه الأشياءُ وكلُّ تقديرها، وكلّ خاصّة من خصائصها بيده، وتصلها منها؟! ولا ينسى شيئاً، وكيف ينسى ما قيامُه في كلّ آنٍ من الآنات به، ولا استقلالَ له عن قدرته وإرادته؟!
هو الله الحيّ القيّوم، السميع البصير، العليم الخبير، وهو بكلِّ شيء محيط.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله خالقِ كلِّ المخلوقين، وربِّ كلِّ المربوبين، ورازق كلِّ المرزوقين، والذي لا خالقَ غيره، ولا ربَّ من دونه، ولا رازقَ سواه، وإليه مرجعُ الأمرِ كُلِّه، وبيده مقاليدُ السماوات والأرض، ولا يُنجي أحدٌ أحداً من أخذه، ولا شفاعةَ من أحدٍ إلا بإذنه.
ولقد أَمَرَ ربّنا ونهى، ورغّب وحذّر، وما رغّب وما أَمَرَ إلا بما فيه صلاح العباد وخيرهم، وما حذَّر ونهى إلا عما فيه فسادهم وضرّهم، وإِنْ تلتبس الأمور اليومَ على عبدٍ فغداً تنكشف، ويأتي يومُ البَصَرِ الحديد، ولا يختلطُ في رؤية أحدٍ حقٌّ وباطل، ونافع وضار، وعدوّ وصديق، وسقيم وصحيح، ولكن حيثُ لا تدارُك، ولا أَوْبَةَ ولا توبة.