محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٩ - الخطبة الأولى
والتفكر في هذا كلّه ليس ليوم دون يوم، ولا لساعة دون ساعة.
وكلما دام الإنسان على هذا التفكير، وكان له منه نصيب ملحوظ تركّزت عنده البصيرة، وصحّت وجهة نظره، ورشدت خياراته، واهتدى إلى الغاية، وقويت مجاهدته للنفس على طريقها، وقرب من الوصول.
٢. ومع التفكّر التذكّر:
والتذكر للحقائق النافعة لاستضاءة النفس بها فعلا عند خوضها لمعركة الموقف الصعب: موقف الفعل أو الترك مما فيه خيرها أو شرّها، رفعتها أو سقوطها لتأخذ بهذا أو ذاك هو المكمّل للتفكّر ونتائجه المخزونة في النفس، والمفعِّل لدورها في الأخذ بالخيارات الكريمة والرشيدة، وتحمّل النفس لكلفة هذه الخيارات الحقّة وإن ثقلت كلفتها.
حين تكون النفس على حضور قويّ كافٍ لهذه الحقائق في جوّها تتحمل الكثير، ويكون الثقيل عليها خفيفا، وتهون على طريق طلبها لله عز وجل كل التحديات.
ومن علم وأَنْسَتْهُ ضغوط المواقف وإغراءاتُها علمه فهو جاهل.
٣. إنما يكون الجهاد للنفس وأيُّ جهاد آخر، وكل طاعة لله سبحانه بالطريق التي دلّ عليها ورضيها دون ما لا يرضاه. والطريق إلى استكشاف الإرادة الإلهية التشريعية وما يصح أن يعبد به الربّ تبارك وتعالى، وما يرضاه من السلوك إليه، وأسلوب المجاهدة في سبيله إنما هو التعرف على أحكام الشريعة وضوابطها وآدابها. وكلما انفصل الموقف العملي أو القلبي عن خطّ الشريعة فهو ليس في اتجاه الله تبارك وتعالى.
إذاً لابد لمن أراد أن يصيب في جهاد نفسه، ويجد طريقه إلى رضى ربّه أن يطلب علم الشريعة، ويأخذ برأيها، ويوافق بين سلوكه وبين أحكامها، ومن عدل عن ذلك فهو بعيد عن طريق الله، وواقع في بدعة أو ضلالة.