محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٠ - الخطبة الأولى
العشرة المطلوبة مع النّاس عشرة تترك هذا الأثر على القريب والبعيد؛ أَثَر أن يبكي الناس لفراق هذا الشخص، لظهور إحسانه، ولتألّق خلقه، ولمعرفة الإخلاص منه.
فهل من بعد هذا يصح لنا أن تخالط الزوجة زوجها، أو يخالط الزوج زوجته بحيث يفرح أحدهما لرحيل الآخر؟! ويرى أن خلاصه في رحيل الطرف الآخر؟! وقد يحصل هذا بين زوج وزوجة.
" وإن عِشتم (غِبتم) حنّوا إليكم" فليس البكاء للفراق من ناحية عاطفية، وإنما لتقدير وزن الخلق، ووزن الضمير، ووزن الدين، ووزن الشخصية. هو تقدير للمواقف، للمحبّة، للمودّة، للحنان، للشفقة ممن كان منه الرحيل. ولذلك فإنه إذا عاش لم يُملّ، ولم يُستثقل، وإنما نجد في عيشه حنيناً من الطرف الآخر إليه، وهو حنينٌ إلى روحية طاهرة، وإلى نفسية نزيهة، وإلى سلوك راق.
عن الإمام الباقر عليه السلام:" صلاح شأن النّاس التَّعايش والتعاشر ملء مكيال: ثلثاه فِطن، وثلث تغافل" ١٢.
ينبغي لك أن تتعامل مع النّاس بفطنة وذكاء ولا تستغفل، وأن تعرف ماذا يراد بك، وماذا يراد منك، وأن هذا صديق أو عدو. قد تكون الكلمات معسولة، ولكن النية معلولة، والقصد سيء، وقد تكون الكلمة قاسية ولكن وراءها قلباً مشفقاً. يجب أن تعرف ماذا يريد بك الناس، وإلى أين يريدون أن يسلكوا بك، وفي حين تفطنهم، وتدريهم، وتعرف ماذا يحاولون بك؟ حاول ما اقتضت المصلحة ذلك ورعت الحكمة أن تظهر كأنك لم تسمع، ولم تفهم، لا مكايدة، وإنما لإصلاح العلاقات، وللترفّع عن الدنايا، وحفاظا على النسيج الاجتماعي الإيماني وسلامته" وثلث تغافل".
هذا مع الناس يا اخوان، فكيف لا يكون تغافل عن خطأ زوجة، أو عن خطأ زوج؟! وكيف لا يكون تسامح عن هفوة زوجة أو هفوة زوج؟! وكيف لا يكون حرصٌ وذكاء