محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٨ - الخطبة الأولى
ولو جعل العبدُ على نفسه حقّاً لعبد آخر من عبيد الله في عرض حق الطاعة لله ومرتبته لما كان الموحِّدَ لله سبحانه، فكلّ حقٍّ لأي عبد من عبيد الله وإن كرم ذلك العبد إنما يتبع حقّ الله، ويثبت بإذنه وتشريعه.
وحقّ الله وهو أكبر حقّ، وأجلُّ حقّ، ولا يُساويه أي حق آخر هو إخلاص العبادة الشاملة له بكل ذرة، وفكرة، وشعور، وعمل، وحركة، وسكون، وعلاقة في وجود الإنسان وحياته بعد أن كان هذا الإنسان مِلكاً صِرفاً محضاً خالصاً لبارئه ومدبّره ورازقه، والمنزِّل عليه وجوده وحياته وأسبابهما كل حين.
وهذه السعة والاستيعاب والعمق في العبودية لله تبارك وتعالى لا يترك مجالًا أبداً لأي حق على العبد لغير الله مهما عظمت نعمته الثانوية في عرض الحق الأصل لله عزّ وجلّ.
وعظيم هو الجزاء الذي اعتمده التفضُّل والكرم الإلهي لمن أخلص العبودية لله عزّ وجلّ وهو كما في رسالة الحقوق أنْ جعل سبحانه على نفسه أن يكفيَه أمر الدّنيا والآخرة، ويحفظ له ما يُحبُّ منهما.
ولأيّ شيء يتطلع الإنسان بعد هذا، وأيُّ ضمانٍ أكبر من ضمان الله، وأيُّ وعدٍ أصدق من وعده، وأيُّ جزاءٍ يعدل أو يقرُب من جزائه؟! فليسعَ السّاعون، وليجدّ الجادّون، وليتفانَ المتفانون في طاعة الله وطلب رضوانه، وليخلصِ المخلصون فلا عبادةَ بلا إخلاص.
وإنَّ لنفس العبد عليه لحقّاً، ولكل جارحة منه من هذا الحق نصيب. وجوارحُ العبد وطاقاته وإمكاناته وأسباب الخير بيده نِعَمُ الله عنده وهي على مُلكِها لمالكها الحق وفي تصرُّفه واستمرارها بيده، ولا تصل للعبد إلا بإذنه فلا بدّ أن يكون استعمالها برضاه، وأن