محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٣ - الخطبة الأولى
خسارة النفس مفهومٌ قرآنيٌّ يركز عليه عدد من الآيات الذي يثير التحذير الشديد من هذه الخسارة.
وما معنى أن يخسر الإنسان نفسَه؟
الإنسان حسب فطرته استعدادات كريمة كبيرة في بُعد الفكر والرّوح. يملك الإنسان في فطرته من عطاء الله عز وجل استعدادات كريمة كبيرة تضعه على خط الكمال، وبكماله تتم سعادته ويتهيأ إلى حياة أبدية لا يمسها شقاء. ٧
هذا الإنسان مهيأ في تكوينه للهداية للحقّ، وقبوله، وصوغ ذاته في ضوئه، وأن يغنى بالعشق لله تبارك وتعالى وهو الكامل المطلق ويتّجه في حياته إليه.
وهذا رأس مال ضخم وأغلى من كل رأسمالٍ يمكن أن يناله الإنسان؛ فلو خسره بعضاً أو كلًا لخسر نفسه بمقدار ما خسر من ذلك الرصيد.
وتستقبل الكُمّلَ من بني الإنسان ومن لحق بهم من إخوانهم حياة دائمة لا انقطاع لها حافلة بالسعادة والكرامة بلا شوب من شقاء ولا هوان.
ولو أفقد الإنسان نفسه ذلك النوع الرّاقي من حياة النفس واختار لها الخلود في النَّار والبؤس والشقاء الأبدي، وذهب إلى الآخرة بنفس هابطة، ضئيلة القيمة أو لا قيمة لها ولا وزن، خاسرة للفعليّة العظيمة المعدّة لها لصدق عليه جليّاً أنه خسر نفسه، وما خسارة الموقع في الآخرة إلا لتبع خسارة النفس، فالنفس التي لم تخسر نفسها لا تخسر موقعها الكريم المعدَّ لها في الآخرة.