محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١١ - الخطبة الثانية
وعلى المجتمع أن يختار بين أن يقبل تحوُّل الخطاب الديني إلى وسيلة من وسائل السياسة الوضعية وأغراضها الماديّة النفعيّة فيفارق الدين، وبين أن يحتفظ بدينه فيرفض تسييس الخطاب الديني، وإخضاعه لهوى السياسات الدنيوية التي تتصادم مع مصلحة الدين.
وعلى المسجد أن يختار بين أن يبقى مسجداً لله فلا يأخذ إلا برأي الدِّين، ولا يقول إلا ما يرضي الله، أو يتحول إلى دائرة من دوائر الحكومات يعبّر عن رأيها، ويخضع لأمرها ونهيها، ويكون الخادم الأمين لمصلحتها، ويشاركها في خطئها وظلمها واستبداداها.
الصحفيون المستأجرون للجهات المعادية للدّين، والصحافة الفاجرة والفاسقة ٢٧ المعربدة في أجواء الأمة، والتي تملأ مساحاتها الطاهرة تحرّف الدين، وتهزأ به، وتتعرّض لتجريحات ظالمة له، وتنال من قدسية مقدّسات الأمة، ومن كرامة علمائها الكبار وفقهائها العظام، وحتّى من تذعن لهم الأمة بالعصمة. وكل هذا التجرؤ والبذاءة والغثيان، والطفولة والجنون والعداء والإجرام يتوسع يومياً بحماية من القوانين السفهية الجائرة، وفتح باب الحرية أمام صحافة الهراء والهذيان بدفع من قوى الاستكبار العالمي ورغبة واحتضان حارٍّ من أنظمة كثيرة تحكم هذه الأمة بالحديد والنار، وتلاحق كلمة الحرية السياسية ومن يقولها في كلِّ زاوية بالموت والدمار.
الحكومات التي تملأ بلاد المسلمين بالخمر ولحم الخنزير وكل الموبقات ومراكز الدّعارة والمراقص المشتركة، وبرك المجون والفواحش المنكرة هي التي تُؤمِّنُ على الخطاب الديني، وتضع ضوابطه، وتحدد مساراته، وتتحكم فيه؟! ويل لدينٍ يقوم على حراسته هذا النوع من الحكومات، ثم ويل، ثم ويل.
وأقول لكل المشغولين بهمّ اللقمة والكسوة والمأوى ومن حقّهم ذلك، ولكنّهم يغفلون عن خطورة مسألة المسجد والخطاب الديني: بأن اللقمة المسلوبة، وما يصادر من المادة وحقوقها يعيده المسجد الحر، أما المسجد المصادَر فلا تعيده اللقمة الموفورة، وترف المادة.