محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٠ - الخطبة الأولى
وقد فُسّر طلب الدنيا للعبد برزقها المكتوب له من الله حيث لا ينقص ولا يزيد، ورزق الإنسان ما طعم، وما شرب، وما لبس، وما سكن، وما ماثل. أما ما بدّد فهو عليه لا له، وما خلّف فهو لغيره. وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ٢، وطلبه لها بسعيه للتوفّر على أحسن حالاتها، وأما طلب الآخرة لنا فللموت المكتوب علينا قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ٣.
وطلب العبيد للآخرة بالسعي الحميد والعمل الصالح الصادق تقرّباً لله سبحانه انتهاءً إلى نعيمها المقيم، وفوزها العظيم.
والدنيا غاية مهدومة، ونهايتها محتومة فطالبها طالب للسراب ٤، والساعي لها ساع إلى نهاية خاسرة. وتقول موعظته عليه السلام في هذا" ومن طلب الدّنيا طلبته الآخرة- نداء قم للرحيل الذي لابد منه- فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته" دنياه التي عمّرها، وآخرته التي أهملها، ويأتي الموت ليذهب بفرصتها، وأمّا طالب الآخرة فأكل وشرب ولبس في الدنيا وعاش ما كُتب له، وربح الآخرة الربح الذي لا مثيل له. وأما هموم الدنيا وغمومها ومرضها وفقرها فلا تخصّ مؤمناً دون كافر، ولا يكاد يُعفى منها أحد، ولا ملازمة بين الغنى والكفر، ولا بين الفقر والإيمان. فلتتعظي يا نفس؛ فإن العقل والصلاح والفلاح في الاتعاظ.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، ولوالدينا وأرحامنا وأزواجنا ومن أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. وأعنّا على أنفسنا، واسلك بنا سبيل الطاعة، وجنّبنا مهاوي المعصية، ولا تجعل