محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٧٥ - الخطبة الأولى
والاستثناء في ضوء قوله تعالى ... كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢ لا يعني أنَّ أحداً من دون الله لا يموت إلى يوم البعث والمعاد، فمن كان له استثناء من الموت بالنفخة الأولى فلابد من بعد ذلك أن يموت. وقد قيل بأنَّ بعضاً من الملائكة لا تشملهم هذه النفخة فلا يُصعقون فيمن يصعق بها، ولكنَّ لابد لهم من الموت بمقتضى عموم ... كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
ثمّ ما تتناوله النفخة الأولى بصعقها هي حياة الأجسام بمفارقة الروح لها دون الروح في حياتها؟ ٣ أو تتناول النفخة والصعقة الأرواح نفسها فتذهب كما تذهب الأبدان؟ وعلى الأوّل يكون البعث بإعادة الأرواح للأجسام، وعلى الثاني يكون بإحياء الأرواح وإعادتها للأبدان معاً.
ولو كان الذي يموت بالنفخة الأولى كلًّا من الأبدان والأرواح فإنَّ فاصلة ما بين الموت والبعث تكون فيها حياة روح قبل النفخة ثم يعقبها موت. أما لو كان ما يموت بالنفخة إنما هي الأبدان القائمة آنذاك خاصّة دون الأرواح فإن فاصلة البرزخ تكون كلّها عامرة بالحياة، ولا يكون البعث إلا بإعادة الأبدان ورجوع أرواحها لها.
وقد احتُمِل في المستثنى في قوله سبحانه إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن يكون البعض من الأحياء كبعض الملائكة فلا يُصعقون بالنفخة الأولى وإن ماتوا بعد ذلك، كما احتُمِل أن يكون المستثنى هي الأرواح فلا تصاب بموت وإنما يستمر خلودها إلى يوم القيام والذي هو وما بعده يوم حياة لا موت على الإطلاق.