محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٣ - الخطبة الأولى
ولكن مريد الآخرة وافر الحظّ فيها، مُنعّم، رفيع المقام، مسرور محبور، مضاعف له جزاؤه، غامر له عطاؤه. وليس لمريد الدّنيا في الآخرة من نصيب مما يدرأ ويكفي، ويغني ويثري. وإنَّ مَن أعرض عن المعاد اليوم كانت له هناك لظى وما أدراك ما لظى نزّاعة للشوى.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ٣. ٤
وأخسّ من أراد الدنيا من أرادها بالدّين فحرّفه، وأفسده، وشكّك في قدره بما أساء له، وبعّد عنه، ونفّر منه، وعُيِّر به ٥ لخساسته وانحدار نفسيته. وهو تعيير من منشا انتساب هذه النفسية والشخصية زوراً للإسلام.
ولنضع الحديث عن الآخرة تحت عناوين محدّدة:
الإنسان الأرضي والآخرة:
كلُّنا نعيش على الأرض، وترتبط حياتنا الدنيا بها، ولا نستغني في هذه الحياة عنها لكن من النّاس من لا تتجاوز عقليته ونفسيته الأرضَ وشهواتها وحاجاتِها وهمومها، ولا يكاد يمتدّ منه فكر ولا شعور خارج سجن المادة، وإطار المحدود، وليس له نظر إلى ما وراء هذا العالم الذي لا يملك من داخله تفسيراً مقبولًا لوجوده ابتداء واستمراراً وانتظامه، ولا يقابل حقائق الغيب، ولا الحقيقة الكبرى الأولى التي تشعُّ بعالم الحس وكل عالم آخر، ولا يكون شيء إلّا من إشعاعها وفيضها إلا بالتردُّد والتشكيك لعلّة انقطاعه إلى الأرض ٦ والخلود إليها في حالة السطح من وجودها دون العمق والمغزى، وما يلهمه وجودها ونظامها المحكم