محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٥ - الخطبة الأولى
الواحد منّا له ذات واحدة، لكنْ فيه هذه الذّات جبهتان: عقل، ودوافع كمال، ونزعة خير، ونفس لوّامة لا تقر صاحبها على باطل، ولا ترضى له السقوط، وأنوار رسالات، وهدايات رسل، وأئمة وصالحين، وتطلّع رقيّ، وإلهامات دينية كريمة، وعطاءات واعية، ودروس وتجارب صادقة من تجارب الحياة والموت، والخلق والفناء، والنهوض والسقوط، والرّشد والغيّ، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء، والهداية والضلال، والاطمئنان والقلق، وتجارب أخرى كثيرة متنوِّعة تُكسب وعياً ورشداً وبصيرة. هذه جبهة.
وجبهة أخرى من دوافع أرضية، وشهوات مادية، ونفس أمّارة بالسوء، وشيطانٍ غويّ، وجند كثير للشيطان، وإغراءات وعروض مستفِزة تفقد النفس صبرها عبر نافذة الشهوة المجنونة والساقطة، واللّذة المادية العابرة، ومن مفارقة متكرِّرة للحق، واستسلامٍ للباطل، وإهمالٍ للطاعة، وإقامةٍ على المعصية، ونسيانٍ للفضيلة، وإدمانٍ على الرذيلة.
هاتان جبهتان تتواجهان وتقتتلان داخل النّفس قد تظهر إحداهما على الأخرى وتصرعُها، ولكن تبقى فرصةُ التّوثّب مفتوحة أمام كل جبهة، وأن يتجدّد القتال إلّا في نفوس قليلةٍ من أهل الحقّ تكون قد دخلت برحمة ربّها في أمان من النّفس الأمّارة بالسّوء والشّيطان الرّجيم، ونفوسٍ أخرى كثيرة من أهل الباطل تكون لِمَا أسرفت على نفسها، وغَرِقَت في بحر السّيئات فاقدة للقدرة على النهضة من جديد، واسترجاعِ فُرَصِ الهداية.
هكذا تكون النفس مواجهة لنفسها، وداخلة مع ذاتها في صراع.
٣. جهاد دائم:
موجب هذا الجهاد الدائم مع النفس أمور: