محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١ - الخطبة الأولى
وكلّ من الذكر والشكر، وما يقابلهما من الغفلة عن الله عزّ وجلّ، وكفران النعم له مساحات ثلاث: مساحة المشاعر والخواطر ومحلها القلب، ومساحة الأقوال وهي من وظيفة اللسان، ومساحة العمل التي هي من وظيفة بقيّة الجوارح.
فكل من الذكر والغفلة، والشكر ونكران النعم يمكن أن يتوارد على المشاعر والأقوال والأفعال.
والقلب الذاكر الشاكر قلب ملؤه مشاعر التعظيم والتوقير والإجلال والتقديس لله عز وجل، ومشاعر الخوف والخشية من عدله وأخذه، والتقدير والامتنان لكريم ووافر نعمه. واللسان الذاكر الشاكر لسان جارٍ عليه الحمد والثناء والتسبيح والتهليل والتقديس والتنزيه لله سبحانه وتعداد النعم، وكلمات اللجأ، والاستغفار، والتوبة، والاستعانة.
وذكر الله تبارك وتعالى في مقام العمل بأن يكون العمل صالحاً مما يرضاه، خالصاً لوجهه الكريم، وأن لا تقتحم النفس محرّماً من محرَّمات الشريعة، ولا تقارب القبيح. وشكر النعم عملًا بوضعها في المواضع التي رضيها الله دون غيرها، وعدم الاستعانة بها على باطل، أو تضييعها وتعطيلها وهدرها والتفاخر بها على الخلق، والاستظهار بها على الحق، وإذلال أهله، ومحاربة المناصرين له.
والشكر واجبٌ أخلاقيّ يغنى بالشعور به ضَمير الإنسان ووجدانه الصادق الخالي من التشوّهات، وعمليات المسخ التي تفعلها الجاهليات في القلب والنفس.
والذاكر في الحقيقة هو القلب، الذي يعبّر عن ذكره وشكره بمشاعر التعظيم والتقديس والتنزيه، والشعور بالجميل والامتنان لله عزّ وجلّ، والتي تنبسِط على اللسان معبرة عن نفسها في صورة لفظ كريم، وعلى الجوارح الأخرى في صورة عمل وموقف قويم.
والنعم من الله عز وجل والتي تغمر حياة الناس نعم مادية ومعنوية، وكل منهما له شكره، ومن يلتفت من النّاس إلى ما أنعم به المنعم الأكبر على المخلوقين لا يلتفت في الأكثر إلَّا