محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٥ - الخطبة الثانية
لقد أصبحت الديمقراطية عملية مقامرة خطرة وتجارب مستمرة غير مضمونة تمارسها الشعوب في من تختارهم لتكتشف في كثير من المرات أنها أخطأت الخيار، وأحكمت طوقا حول رقبتها حين أوصلت عناصر المغامرة بحياة الشعوب وإنسانيتها ومكاسبها في سبيل طموحاتها الشخصية وغرورها إلى مواقع الحكم والسيطرة.
والديمقراطية من بعد ذلك صراع غير شريف، وحرب استنزاف وحرق أعصاب للشعوب بين الحكم والمعارضة. وهو صراع مصالح شخصية وحزبية وفئوية في أغلب الأحيان والبلدان. وهي حرب يخوضها طرف الحكومة والمعارضة في بيئات الديمقراطيات العريقة بإمكانات الشعوب ولشغلها عن الآلام، وتنافساً على كرسي الحكم وامتيازاته الكبيرة.
وكثيراً ما تتناوب المعارضة والحكومات على الكرسي لتمارس معارضة الأمس وحكومةُ اليوم دور سابقتها في التلاعب بمقدرات الأمة ومقدّراتها وقراراتها المصيرية، ولتمارس حكومة الأمس ومعارضة اليوم دور سابقتها في التنديد بالظلم والسرقة وتوزيع المناصب والأخطاء الخطيرة للحكم، وهكذا يتغير الدور كلما تغير الموقع.
وكل المشاكل التي لم يحلّها العلم لم تحلّها الديمقراطية، والمآسي الإنسانية المتفاقمة في ظل العلم بقيت متفاقمة في ظل الديمقراطية.
والحروب الظالمة، واستنزاف خيرات الشعوب، واستعباد أبنائها، وفرض الهيمنة الاستكبارية برؤوس الأموال المنهوبة أو المنتَجة، وبأفتك الأسلحة وأقذرها وأشدها وأوسعها طاقة تدميرية، وسياسةُ التمييز الظالم، وإلغاء الآخر؛ كل ذلك لم تقلل منه