محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣١ - الخطبة الأولى
وهذا التفاوت يأتي حتى في ساعة الأكل والشرب فما أكثر كيفياتها، وما أكثر ما يؤكل ويشرب وما هو عليه من اختلاف ألوان وأشكال، ودرجة لذّة، ومنفعة ومضرّة حتى يكون منه السَّام القاتل الذي يؤدي التشخيص الخاطئ من الآكل والشارب إلى تناوله ٧.
والعبادة تعلّق بالجمال والكمال، وطلب القرب من الجميل الكامل استرضاءً له، واستجداءً من جماله، واسترفاداً من كماله، وفراراً من حالة النقص والضعف والانقطاع والوحشة إليه، وتلذُّذاً وتعزُّزاً بالتذلل بين يديه ٨.
وهي ممارسة تختلف سنخاً وطبيعة عن حالة الإدراك والتفكير ٩، إذ الإدراك والتفكير نشاط ذهني يستقبل صور الجزئيات، ويركب صوراً، ويحلل صوراً، وينتزع صوراً، ويصل إلى التصديق بقضايا، وتتوالد على يده قضايا منتَجة جديدة.
وهو ظاهرة مردّها إلى قوّة الإدراك والطاقة الفكرية التي تسمح بهذه الممارسة.
أما العبادة فحالة عشق وانجذاب وحركة مشدودة إلى الجمال والكمال، وراءها في الذات الإنسانية روح جمالية عشّاقة للجمال والكمال المطلق لا تكفّ ما حييت وتنبّهت عن التحرك في اتجاهه، ولا تجد في أي من درجات نموّها واستكمالها أنه قد استنفد، أو وصلت إلى الغاية المتطلع إليها من القرب إليه، وإن استنفد داخلُها كلَّ الطاقة في العروج إليه.
هذه ثلاث ساعات في حياة الإنسان شاهدة بجلاء على أن في ذاته وأصل خلقته ثلاثة أبعاد: بُعدٌ مادي له ضروراته ودوافعه ومشتهياته ونشاطه وآثاره، وبُعدُ الإدراك والفكر الذي يبني به الإنسان حضاراته، ويشيد واقعاً كبيراً ويجدده ويطوره على الأرض، وبُعدٌ روحي جمالي يدفع بالإنسان على خطِّ جمال المعنى، ويثير فيه الحركة في اتجاه سموّ ذاته