محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٦ - الخطبة الأولى
اللهم أرسل على قلوبنا من غيث رحمتك ولطفك ما يغسلُ أدرانها، ويزيل عنها الشكَّ والريب، وكلَّ ما يكدّر صفوها، ويُحدث فيها شيئاً من ظلمة، ويحول بينها وبين رؤية الحق، أو قبوله والولع به، وارزقها قوّة اليقين، ونفاذ البصيرة، ولذّة الذكر، وحلاوة المناجاة، وردّ عنها مكائد السوء، وغاسق الضلال، ووسوسة كلّ مفسدٍ، وشيطان رجيم.
الإنسان ضعيف بلا الله:
أما بعد أيها الإخوة الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فإن الإنسان في نفسه ضعيف، وإنما قوّته فبا يتراءى له بالأسباب، وكل الأسباب مملوكة لله وحده، ولا استمساك لها من نفسها. فالتعلّق بها إنما هو إلى حين، وبعد فنائها يعود المستمسك بها وعيه إلى ضعفه، ويستسلم إلى نهايته، ويتيقّن أنه لا لجأ له من دون الله، وأنه في قبضة يده، وما تراءى له من استقلاليته أو استقلالية الأسباب إنما هو وهمٌ خادع لا يغني من الحقِّ شيئاً.
ويطلب الإنسان الضعيف الحمايةَ والدعم والمدد، ويأمل البقاء والخلود، والهروب من الموت بالسعي الدائب وراء توفُّر الأسباب؛ فيطلب الأهل والعشيرة، ويطلب المال والجاه والمنصب، ويطلب السلاح الذي يذود به عن نفسه، وأجواءَ الوقاية التي تحميه من المرض، والدواءَ والعلاج الذي ينقذه منه، والمنزلَ الذي يكنّه من برد الطبيعة وحرِّها، وأنواعَ الغذاء والشراب الملائم مما يتقوّى به، ونسمةَ الهواء التي يتنفّس منها ما به حياته.
وكل هذه الأسباب، وما تبنيه حياةُ الأمم والأجيال من بني الإنسان مرتبطٌ في بقائه ببقاء البُنية الكونية، وقيام الأرض والسماء ومعادلاتهما، والقوانين الحاكمة لهما.