محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٩ - الخطبة الأولى
معرفة الإنسان لله عز وجل ملءَ عقله ووجدانه بأنه الخالق الذي لا خالق سواه، الرازق الذي لا رازق غيره، المدبّر الذي لا مدبّر معه، القيّوم الذي لا يعيى ولا تأخذه سنة ولا نوم، القدير الذي لا يعجز، العليم الذي لا يجهل، الحي الذي لا يموت، المريد الذي لا تبطل إرادته ولا ترد، الأول بلا قبل يسبقه، الآخر بلا آخر يلحقه، الحكيم الذي لا شوب في حكمته، الحاكم الذي لا تقاوم حكومته، الواحد الذي لا ثاني له، الأحد الذي لا شبيه يشبهه، الذي يقوم به كل شيء والمباين والبعيد عن كل شيء، والمنزّه عن كل شيء، وهو فوق كل شيء، والأَجَلّ من أن يُمثَّلَ بشيء، ويُنظَّر بشيء؛ هذه المعرفة ممكنة للإنسان وحاصلة- كما تقدّم- لصفوة من الناس.
ومعرفة المخلوق للخالق بهذا المستوى من المعرفة تتجلّى للعقول والقلوب في كل ما خلق الله من شيء مما يقوم في وجوده، وفي حياته، وفي كل أثر من آثاره بقدرته وعلمه وتدبيره.
وإن قدرة الله وعلمه ورحمته ولطفه كلّ ذلك ليطلُّ على العقل والقلب من كل مخلوق كبير وصغير، ومن كل خليّة وذرة في الكون العريض، ويكشف عن نفسه، ويتحدث لك عن الخالق قبل تحدُّثه لك عن نفسه، والله تبارك وتعالى هو المظهر للأشياء، والدَّالّ عليها، والمُبرز لها، والمسخِّر لها في خطابه للعقول والأفئدة والأرواح.
وهل لشيء أن يُظهر الله عز وجل والحق أن كل شيء إنّما ظهوره من الله عزَّ وجل؟! كيف تظهر الأشياءُ خالِقَها وهي لا تظهر إلا بخالقها سبحانه؟!
ظهورها منه، وهو يتجلّى للعقول والقلوب من خلالها، وبإظهاره لها.
وفي استحالة معرفة الذات وحقيقة الصفات، والمنع من التفكير في أمرهما جاءت النصوص الكثيرة وهذا منها:
١. عن الإمام علي عليه السلام في تمجيد الله:" .... الظاهر بعجائب تدبيره للنّاظرين، والباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهمين" ٥ وتجلّيه سبحانه من خلال مخلوقاته بقدرها