محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٨ - الخطبة الأولى
وقد جلَّى دينُ الله كل ظلمة في الدّنيا، وأنقذ من الحَيرة والضّلال، وميَّز بين الهدى والعمى؛ فلله الحجّة البالغة على العباد كلِّ العباد. فمن أخذ دينَ الله من حُججه المعتمدة، ومعادنه الأصيلة، ومصادره الصّافية ولزمهُ علماً وعملًا كان على بصيرة، وغَنِيَ بالهُدى، وأمسك بالصّراط، ولَقِيَ خيراً يوم معاده، ولم يُفاجئ بالحقيقة التي قامت حياته على خلافها فيُصعَقَ لهول ما يلقاه من سوء ما فرّط.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات، ولوالدينا، وأرحامنا، وأزواجنا، وجيراننا، وأصحابنا، ومن أحسن إلينا من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا شرّ ما قضيت، وتولّنا فيمن تولّيت، واسلُكْ بنا صراطك، وأوصلنا إلى رضاك، وأنِلنا المنزلةَ الكريمة عندك يا رحمن يا رحيم.
أما بعد فمع حديث المعاد:
إنَّ الإنسان لَيُواجَهُ بعد موته بأوّل منازل الآخرة وهو القبر ١. وقد جاء عن الرسول صلّى الله عليه وآله في ذلك:" إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقلّ منه" ٢.
إنَّ النّقلة من الدنيا إلى القبر وهو أول منازل الآخرة نقلة صعبة بطبيعتها مستوحشة لم تعرفها حياة الإنسان، وليست على حدِّ ما عرفته دنياه من نَقَلاتٍ وتنقّلات، وليست له تجربة مماثلة أو مشابهة لها؛ فحتّى النقلة القهريّة المفاجئة إلى سجن من سجون الدّنيا لا تُساوي في غربتها وقلقها وفزعها وترقُّبها منها شيئاً.
إنّها نقلةٌ إلى عالم ليس فيه شيء من عالمنا المألوف، وإلى ضيقٍ وخَناق، ومحكوميّة قائمة بصورة حاضرة دائمة لا مَفْلَتَ منها لِنَفْسٍ بلغ بها العذاب ما بلغ ولا فتور. نقلةٌ مرعبة في كل أبعادها إلا لنفس قدّمت لغدها خيراً كثيراً، ونالتها رحمة الله وعفوه العظيم.