محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣ - الخطبة الأولى
والتصادم بين الطاغوتية والتوحيد قائم لا محالة في كل الساحات للتضاد الذاتي الذي لا يغيّره مكان ولا زمان، ولا يتأثر بتنوع الظروف.
التوحيد يعني أن لا طاعة في الأصل ولا عبودية على الإنسان لغير الله سبحانه، والطاغوتية تعني تفرُّد الطاغوت بحق الطاعة له على الناس، والتصرف فيهم كما يشاء.
ومن هنا يعادي الفكر الطاغوتي فكر التوحيد، ويباين شعور الطاغوتية الشعور الديني الحق، ويتعارض المنهجان، وتقوم الحرب أي لون من الحرب بينهما على مستوى الخارج وصياغة أوضاع الحياة.
فما يقوم عليه واقع المواجهة الاستكبارية المشتركة بين كل الطغاة لخطّ التوحيد والرسالات الإلهية والرسل والدعاة الحقيقيين للدين أعمق من مجرد تواصي هؤلاء الطغاة وأجيالهم بهذه المواجهة والإيحاء بها والتشجيع عليها، وإثارتها إعلاميّاً، والأخذ بها متابعة وتقليداً. وإن كان كل ذلك هو حاصل ثابت.
وإذا كان هذا هو واقع المستكبرين في عقليتهم المريضة، ونفسيتهم المنحرفة فالاستمرار في دعوتهم للحق وإذعانِهم له وقد تبين منهم الاستكبار والطاغوتية والإصرار والعناد والمكابرة بالباطل لا معنى له لأنه من تضييع الوقت والجهد بعد اليأس من النتيجة. وأمّا واجب التبليغ والدعوة إلى الحق ومحاولة إنقاذ الجاهل فيقف عند هذا الحد، وبالنسبة لهؤلاء ولا لوم على حملة الهدى عندما لاتقابل الدعوة الحقة إلا بزيادة من العناد. نعم لابد من الإعراض عن دعوة ليس فيها إلا تضييعُ الوقت والجهد، والنصبُ ولا تمثل إلا نوعاً من العبث الذي تتنزّه عنه الرسل والرسالات فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ.
وهذا لا يعني التوقف النهائي عن الدعوة والتبليغ في الأرض لأن فريقا آخر في الناس ممن لهم قلوب فاقهة باحثة عن الحق، وأرواح منفتحة مقبلة عليه، وعقول فاكرة تنفعل بالبرهان، وتستوعب الدليل، ونفوس مستعدة لتحمل مسؤولية الدين وقضاياه وتكاليفه