محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦١ - الخطبة الثانية
ولم تعد مغالطات الحكومات لشعوبها مجدية، ولا الحملات الإعلامية المكثّفة كافية للإغفال عن بعض الحقوق بالخصوص، والوعود لا تملك أن تُقنع ما لم يُصدِّقها العمل، وقد تغري بالمطالبة أكثر مما تلهي، وتلفت أكثر مما تصرف.
والحكومات التي تحبّ التّعب لنفسها وشعوبها تعرف الطّريق إلى ذلك، وتسلك الظلم، وتتعسف في كل الأمور، وتجور على الثروة والإنسان، والدِّين والدنيا، وتعمل بالبطش، وتُسلِّط السيف على الرقاب، وتملأ السجون. وكل ذلك لا يجديها شيئاً في ظل تنامي الوعي، والشعور بالحقّ والكرامة، ونهوض الإرادة، وعشق الحرية والانعتاق.
وهذه أمور تتنامى في الشعوب في اليوم الواحد فضلًا عن الشهر والسنة. ووضع السياسة لأي شعب في خانة ما قبل ستين وسبعين سنة إدراك سيء، وتفكير غبي في الأمور.
الحكومة التي تبحث عن حياة الاستقرار والاطمئنان لها، لابد أن تبحث عن ذلك أولًا لشعبها، وأن تعرف أين وصل هذا الشّعب من وعي الذات، والحقّ، والكرامة، وماذا تغيّر في مستوى توجّهه وإرادته، واعتزازه بحريته، وإصراره على تحقيق ذاته، وأن تحترم عملًا المكانة المتقدّمة الجديدة التي صار يتبوأها، وأن تحمل احتراماً لإنسانية الإنسان أساساً ولا تتغافله. وذلك من أجل أن تحسن التعامل مع شعبها، ويمكن له أن يتعامل معها التعامل المقبول.
إن الاحتماء بتكديس الثروة لا يجدي، وإن الاحتماء ببطش القوة لا ينفع، وإن شراء مودّة الخارج لا يغني، وإنّ التوسل بالإعلام الزائف وبالأقلام المأجورة، والذّمم الرخيصة لا ينقذ. وكل ذلك وأضعاف مضاعفة من مثله وشبهه لا يقوم اليوم مقام رضى الشعوب