محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٥ - الخطبة الأولى
فعِّل رصيدك من الإيمان عملًا كما تُفَعِّل رصيدك من المال، وأنت في تفعيلك رصيدك من المال قد تربح وقد تخسر، أما في تفعيلك رصيدك من الإيمان فأنت رابح لا محالة. وهذا الرصيد يتنامى بمقدار ما فعّلته كما أراد الله تبارك وتعالى، ومن تفعيله أن تبني مواقفك في ضوئه. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ ٢.
الرسول صلّى الله عليه وآله نور، والظّاهر من النّور في الآية الكريمة هو الرسول صلّى الله عليه وآله في قبال الكتاب المبين الذي هو نور آخر كذلك. الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نور، والكتاب الكريم نور، ومن نورهما يكتسب القلبُ المقبل عليهما، المتغذّي على موائدهما نورا، ويغنى بالهدى، وتنفتح منه البصيرة بما لم يكن له منها، لولا الاهتداء بهما، ومتابعتهما، وصوغ النفس على ضوئهما. فهذا طريق من طرق زيادة الإيمان وإنمائه، وهو أن نأخذ بهدى الكتاب، وهدى الرسول صلّى الله عليه وآله، ونقفو أثرهما.
... إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً ٣.
آمنوا بربّهم، وأخذوا بالموقف الإيماني، وانحازوا عملا للإيمان، والتزموا بمقتضاه، وقبلوا الأخذ بتكاليفه، وصبروا على الأذى في سبيله فكانت النتيجة أن زادهم الله هدى فوق ما كان لهم منه، وكلٍّ من عند الله، واشتدّ في قلوبهم الإيمان، وكان لهم نور على نور.
طريق انحسار الإيمان، وتضاؤله، وغيبوبته، وسباته:
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٤ جاءت نفسك مفطورة على مستوى تكون مستعدّة به لتلقّي الإيمان، جاءت النفس مخلوقة من الله عزّ وجلّ على صلاحية كافية لمعانقة ومواقعة الإيمان، ولكنّ هذه النفس نملك أن نُحطّمها، ونملك أن نلوّثها، وأن نحدث لها ما يحول بينها وبين الاستفادة من نور الإيمان أو استقباله أساسا. قد يخسر الإنسان نفسه