محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٤ - الخطبة الأولى
ولا يخسر الإنسان قابلية الهدى والانشداد إليه، والأخذ به، والتحلّي بكمالاته إلا بتفريط منه، وسوء الاختيار في التعامل مع الرصيد الفعليّ من الهدايات التي تكتنزها فطرته.
أمّا من استجاب لنداء الفطرة، واهتدى بنورها الموصل إلى الله سبحانه فإنه لا يضل طريق كماله، ولا يخسر نفسه، بل يزداد هداية، وينمو كمالًا، ويبلغ الغاية السّامية التي أُعدّت ذاته لها، وزُوّدت بعُدّتها.
وتُعلِّمنا الآية الأولى: .. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أنّ النفس المستقيمة على فطرتها، المحتفظ بها صاحبها على ما هي عليه من هدايات خلقيّة تكوينية لا تفارق الإيمان، ولا تنحدر عن خطّه، ولا تغيم رؤيتها، ولا تضلُّ الطريق، وأن خسارة الإيمان إنما تكون بخسارة النّفس ٨، واغتيال نور الفطرة ولو بفعل البيئة الجاهلية المنحرفة.
ففقد حالة الإيمان ليس شيئاً أصيلًا في النفس البشرية، وإنما هو حالة عارضة وراءها حالة مرضيّة طارئة على النفس، وإطفاء بالانحراف والسيئات والظلم والمعاندة والمكابرة لنور فطرتها؛ وإلّا فإن الطبيعي في حالة الإنسان بحسب فطرته أنَّ نفسه تستقبل نور الإيمان وتحتضنه. ٩
ومن انفصل مسيئاً لنفسه عن نور الفطرة، وضادَّ هدايتها خفَّ فكره، ومشاعره وأعماله بالقياس إلى الحق بمعنى أنها تكون فاقدة للحقّانية لأنها من منشأ نفسٍ خلت من الحق أو ضعف فيها، وما خِفّة محتوى النفس وما يصدر عنها إلا من خفتها، والنفس الخفيفة من الهدى الخالية من الحقّ ومؤهلات السعادة، والمستحقّة بدونيتها ورخصها وتفاهتها للنّار والشّقاء خاسرةٌ وأي خاسرة؟!