محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٥ - الخطبة الأولى
أيُساوي بين نفس تحرّكت من واقع فطرتها بما لهذه الفطرة من استعداد الكمال وبجدٍّ، واجتهادٍ، ومكابدةٍ، ومصابرةٍ، ومجاهدة حتى بلغت أتمّ ما يمكن أن تعلو له من درجة السموّ، والرفعة، والنقاء، والنورانية، والصّفاء، والكمال بنفس تحرّكت من النّقطة نفسها، منحدرة باختيارها، منساقة وراء الشهوات، والرغبات الحيوانية، واللذائذ الرخيصة لهذه الحياة حتّى خسرت نفسها وعاشت الظلمة ولّفها الضلال، وتملّكها الشّر بأن تخرج النفسان من الدّنيا لا لبعث ولا حساب ولا جزاء، بعد أن لم تُلاقِ كل منهما جزاء وفاقاً في هذه الحياة، وربما امتازت النّفس التي عصت ربَّها في الدنيا في ما تهيّأ لها من فرص الحياة وظهورها وسلطانها ومتاعها على النفس التي قضت أيامها على طريق الطاعة والعبادة لله مخلصة إليه؟! وهذا بَعْدَ أمر الله للناس بطاعته وعبادته، ونهيه لهم عن الشِّرك به ومعصيته، وبعد أن أمر ونهي وكلّف؟!
لا يكون هذا أبداً من الله وهو العدلُ الذي لا يظلم، ولا يردّه عن عدله أي شيء.
وهذه المساواة على خلاف ما يقتضيه كمال النفس للسعادة، ونقصها للشقاء، وعلى خلاف ما يرضى به الوجدان الفطري حتى من غير العدل الحكيم المطلق فضلًا عنه سبحانه. ٦
والآية تقابل بين فريقين لا يمكن أن يستويا في عدل الله وحكمته وهما فريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهؤلاء هم السُّعداء وأهل الجنّة، وفريق المفسدين في الأرض وهؤلاء هم الأشقياء وهم أهل النار، والكافر مفسد لأن الكفر قاعدة فساد لا إصلاح ٧، وأرضيَّةُ ضلال لا هدى، ومبعث سوء لا خير، ومنبع خيانة لا أمانة، ومصدر خراب لا إعمار، ورجس لا طهارة.