محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩ - الخطبة الأولى
أما بعد فإنّ النّفس كلّ نفس لها أنس وانجذاب، أو وحشة ونفور: أنس لأوضاع وأفكار وأشخاص وجهات، ووحشة كذلك ..
ولا يكون ألفة وأنس من النفس إلا بما ترى فيه خيرها، وتشعر بأن فيه أمنها، فتتوفر على الراحة في ظلّه، والاطمئنان إليه. وقل إنما تأنس النفس بما يوافقها، وتنفر وتستوحش مما لا يوافقها.
والنفوس مستويات وتوجُّهات، وهي في أنسها ووحشتها من الأشياء، والأفكار، والأخلاق، والأوضاع، والجهات تابعة لمستواها وتوجُّهها.
ولا تلتقي النفوس الخيّرة والشريرة، والعالمة والجاهلة، والكاملة والناقصة، والدنيوية والأخروية، والشيطانية والرحمانية على ما به أنسها ووحشتها، وانجذابها ونفورها، وما أكثر ما تفترق النفوس لهذا الاختلاف.
وإنّ موائد اللذة المحرّمة لتتهافت عليها نفوس خسَّت وتَفِهت لطول معصيتها، وتفرُّ منها نفوس وتملأها الوحشة والنفور، وهي نفوس أخرى لازمت خطّ الطاعة، وعرفت الله، واشتاقت إليه.
فهذا تأنس نفسه لمجلس لهو، وذاك تتعذب نفسه بمثل هذا المجلس، وشخص يستهويه مجلس الذكر، ويجد فيه ألذّ ساعاته، وشخص يثقل عليه مجلس الذكر كما تثقل عليه أشدّ البلايا، ولا يريح نفسه كما يريحها مجلس الغيبة والنميمة والبهتان الذي يألم له مؤمن على تقوى ونقاوة.
وإنّ من الحشرات ما تقع نفسه على القذارة وتجد فيها مهواها، أما النحل مثلًا فإنّ لنفسه مهوى آخر فيما يطلبه من الغذاء، وإنما تجده يواقع الأزهار ويمتص الرحيق.
وهناك طير تلذّ له الجيفة، وطير آخر إنما يطلب رزقه من طيب الثمار.
ولهذا أثر ولذلك أثر، وهما أثران مختلفان.