محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤٩ - الخطبة الأولى
مُضافاً لما قدّمه من الزَّاد الكريم المقبول عند الله لنجاته وفوزه في آخرته. وهنيئاً لمن برّ رحِمَه بمثل هذا البِرّ، أو برَّ به أحداً من المؤمنين.
ويُريدنا الإمام عليّ عليه السلام أن نأخذ الآخرة بمأخذ الجدّ، وأن نجعل الدنيا مركبنا إليها، وأنْ نتزوّد من أيّام نعيشها على الأرض ليوم الممات، ويوم المعاد. وتأتي كلمته في هذا المجال لتستوقف العقلَ، وتهزَّ القلب، وتلهب النفس بشعور الآخرة، وتثير توجُّهها إليها، وتُشعل اهتمامها بما بعد الموت. يقول في الكلمة عنه عليه السلام:" .... فإنكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم، لجزعتم ووهِلتم ١٥ وسمعتم وأطعتم، ولكن محجوبٌ عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحجاب" ١٦.
والقائل خبيرٌ بدين الله وأمرِ الآخرة وإن لم يلقَ من أمرها شيئا، ومصدره الوحي المتنزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي لم يمسسه غبار، وبصيرةٌ من الله لا تزِلّ، وعلمُه لا تعرضه شبهة، ولا تصرف عنه غفلة، ولا يُكدّره هوى، ولا يقاربه شيطان.
وحقّاً لو عاين أحياءُ النّاس ما عاين أمواتهم من هول الموت وما بعد الموت، ومن كُرُبات، وغصص، ومضائق، وتكشّف حقائق وغوامض لما أَعْرَضَ مُعرِضٌ عن خطابٍ من خطابات الكتاب الكريم، ونداءٍ من نداءات السّنة المطهَّرة، ولما تخلّف متخلفٌ عن تكليف ١٧، ولسهل على النفس ما صعب عليها من أحكام.
ويوم الآخرة التي تبدأ بيوم الموت ليس ببعيد، وما بيننا وبين يوم الرَّحيل الذي نشهد فيه عالم الآخرة ليس على حدِّ ما بيننا وبين يوم البعث الذي قد يطول على أنَّ كل آتٍ قريب، وأنّ طبيعة يوم النّشور ستتكشّف لها معالم في عالم القبور.