جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣ - النوافل ركعتان
..........
الحمل المزبور من الشيخ وجود قول لهم بالتخيير، و هو أعلم من غيره بهم. ٢- و إمكان منع اعتبار وجود قول لهم في ورود الأخبار مورد التقية ثانياً، كما ذهب إليه بعض الأفاضل [١]، و يومئ إليه قوله (عليه السلام): «أنا أوقعت الاختلاف بينكم كي لا تُعرفوا فتُؤخَذوا» [٢]. ٣- أو لأنّ ذلك أقرب في دفع التقيّة من تعيين الفصل. فلعلّ المقام كان يمكن رفعه بذلك، فذكره (عليه السلام) و اقتصر عليه و لم يأمر بالوصل، أو غير ذلك. و إن أبيت ذلك كلّه فلا بدّ من الطرح قطعاً؛ لوضوح الضعف عن المقاومة لبعض ما ذكرنا، فضلًا عن جميعه. و احتمال تأييده بالأخبار المعتبرة المستفيضة جدّاً المتضمّنة لإطلاق الوتر على الثلاث باعتبار إشعارها بالوصل يدفعه: ١- مع أنّها معارضة بالأخبار المتضمّنة لإطلاقه على الواحدة باعتبار إشعارها أيضاً بالانفصال. ٢- أنّه لا تلازم بين الإطلاق على الثلاث و الوصل؛ إذ يمكن كون الوتر اسماً للثلاثة المفصولة، كما صُرّح به في بعض الأخبار السابقة. و يمكن كونه اسماً للثالثة الموصولة. و يقوى في ظنّي أنّ كثرة إطلاق الوتر على الثلاث في تلك الأخبار و تحديده بها لإيهام الاتّصال تقيّة.
و منه يظهر ضعف دعوى أنّه حقيقة في الثلاث، و هو القول الثاني كما في المدارك و الذخيرة و عن الفاضل البهائي و المدقّق محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني [٣] و غير واحد من شرّاح الحديث، و أبي حنيفة [٤] و أصحاب الرأي، بل قيل [٥]: إنّهم حكوا ذلك عن علي (عليه السلام) و عمر و ابيّ و أنس و ابن مسعود و أبي أمامة و عمر بن عبد العزيز:
١- لكثرة الاستعمال.
٢- و لما ورد من طريق العامّة و الخاصّة: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يوتر بثلاث ركعات [٦].
٣- و للتحديد بالثلاث في النصوص السابقة.
و فيه: أنّ الكثرة ليست من أمارات الحقيقة، خصوصاً بعد أن كان الداعي في هذا الاستعمال ما ذكرناه من إيهام الاتّصال تقيّةً. و منه يظهر ضعف الاستدلال بالآخرين. و يؤيّد ما ذكرنا- مضافاً إلى ما سمعت- أنّه لا إشكال في أنّ الوتر في عرف المتشرّعة اسم للركعة الواحدة، كما ظهر لك ممّا تقدّم. و يشهد به استعمالهم الشائع المعروف زيادة على نصّ الفقهاء منهم، فيكون في عرف الشارع كذلك، و إلّا لزم النقل المخالف للأصل و الظاهر أيضاً، لاقتضائه هجر الحقيقة الشرعيّة في عرف المتشرّعة و هو مستبعد جدّاً، فإنّ الحقائق الشرعيّة حقائق في عرف المتشرّعة، و لا يكاد يوجد شيء نقله الفقهاء إلى معنى آخر. و قد ذكر علماء الاصول [٧]- في تحرير محلّ النزاع في الحقيقة الشرعيّة- أنّ موضع الخلاف هي الألفاظ المتداولة على لسان المتشرّعة التي هي حقائق عندهم في معانيها الشرعيّة، و مقتضى ذلك أنّ كلّ حقيقة شرعيّة حقيقة في عرف المتشرّعة، فلو كان الوتر حقيقة في غير الواحدة في عرف الشارع لزم أن يكون كذلك في عرف المتشرّعة، و المعلوم من حالهم خلاف ذلك. فالأقوى حينئذٍ القول الأوّل.
[١] الحدائق ١: ٥.
[٢] علل الشرائع: ٣٩٥، ح ١٥، نقلًا بالمعنى.
[٣] المدارك ٣: ١٧. الذخيرة: ١٨٥. مفتاح الفلاح: ٣٢٢. نقله عن محمد بن الحسن في مفتاح الكرامة ٢: ٩.
[٤] الحاوي الكبير ٢: ٢٩٤.
[٥] التذكرة ٢: ٢٦٤.
[٦] سنن النسائي ٣: ٢٣٥. المستدرك ٣: ١٥٦، ب ٤١ من المواقيت، ح ١.
[٧] انظر قوانين الاصول ١: ٣٦. الفصول الغروية: ٤٣.