جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٣ - الإمامة بغير رداء
..........
الثلاثة الاول، قال: «و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف؛ لاختصاص الروايتين بالعاري، و عدم ذكر الرداء في الرواية الاولى، بل أقصى ما يدلّ على استحباب ستر المنكبين سواءً كان بالرداء أم بغيره. و بالجملة: فالأصل في هذا الباب رواية سليمان بن خالد [١] و هي إنّما تدلّ على كراهة الإمامة بدون الرداء في القميص وحده، فإثبات ما زاد على ذلك محتاج إلى دليل، و ينبغي الرجوع في الرداء إلى ما يصدق عليه الاسم عرفاً، و إنّما تقوم التكّة و نحوها مقامه مع الضرورة، كما يدلّ عليه رواية ابن سنان، أمّا ما اشتهر في زماننا من إقامة غيره مقامه مطلقاً فلا يبعد أن يكون تشريعاً» [٢]. و فيه مواضع للنظر: منها: ما عرفت. و منها: أنّه قد يدفع التشريع إطلاق صحيح زرارة و خبر عليّ بن جعفر و خبر جميل و غيرها الذي لا يعارضه مورد السؤال في صحيح ابن سنان، بل و لا ما فيه من اشتراط تقلّد السيف بعدم الثوب، الخارج مخرج الغالب في تردّي الثوب لواجده، على أنّ المقصود منه- على الظاهر- بيان شدّة المحافظة على صورة التردّي و عدم سقوطها حتى في هذا الحال، لا أنّ المراد منه حقيقة الشرطيّة، كما أنّ صحيح ابن مسلم كذلك قطعاً، فمن الغريب دعوى التشريعية بعد ظهور النصوص في ذلك. نعم ظاهر قوله (عليه السلام) في الصحيح [٣]: «تجزيك ... إلى آخره» أنّ ذلك أقلّ المجزي في رفع الكراهة أو حصول الاستحباب. بل المراد من أقلّيته على الأوّل تخفيف الكراهة، كما أنّ المراد منه على الثاني تحصيل جملة من ثواب المستحبّ، و إلّا فالأفضل منه التردّي مثلًا حقيقة. و منها: أنّه لا يخفى على كلّ ذي مسكة- بعد معروفية ستر المنكبين بالرداء- أنّ المراد من هذه النصوص البدلية عنه، و أنّه هو الفرد الكامل. بل قوله (عليه السلام) في خبر مرازم: «أو عمامة يرتدي به» كالصريح في ذلك.
و أصرح منه خبر وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ عليّاً (عليه السلام) قال: السيف بمنزلة الرداء تصلّي فيه ما لم تر دماً، و القوس بمنزلة الرداء» [٤].
فلا ريب حينئذٍ في دلالة هذه النصوص على كون الرداء هو الأصل، و أن هذه [التردّي بغيرها كالتكّة يطرحها على العاتق] أبدال له تخفّ بها الكراهة أو يحصل بها معظم الثواب. بل قد ترتفع الاولى [أي الكراهة]، و يحصل الجميع في مقام الاضطرار.
فتأمّل جيّداً في جميع ما ذكرنا ليظهر لك أيضاً ما في المحكيّ عن البحار أيضاً: من أنّ «الرداء إنّما يستحبّ للإمام و غيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه أو لا يكون صفيقاً و إن ستر منكبيه، و لكنّه في الإمام آكد، و إذا لم يجد ثوباً يرتدي [به] [٥] مع كونه في إزار و سراويل فقط يجوز أن يكتفي بالتكّة و السيف و القوس و نحوها، و يمكن القول باستحباب الرداء مع الأثواب، لكن الذي ورد فيه التأكيد الشديد يكون مختصّاً بما ذكرناه، أمّا ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الأثواب المتعدّدة ففيه شائبة بدعة» [٦]. بل و ما في الحدائق: من أنّه لا خصوصية للرداء أصلًا لا في الإمام و لا في غيره، و إنّما المستحبّ ستر المنكبين به أو بغيره [٧]، و ربّما أمكن كونه خرق الإجماع، بل و ما في غيرهما من كتب متأخّري المتأخّرين، و الحمد للّٰه ربّ العالمين، هذا.
[١] تقدّم في ص ٥١١ بعنوان «الصحيح».
[٢] المدارك ٣: ٢١٠.
[٣] تقدّم في ص ٥١١.
[٤] الوسائل ٤: ٤٥٨، ب ٥٧ من لباس المصلّي، ح ٢.
[٥] الإضافة من المصدر.
[٦] البحار ٨٣: ١٩٠.
[٧] الحدائق ٧: ١٣٧، ١٣٨.