جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٧ - كيفية استقبال الكعبة
..........
و إن فرّق بينهما في المحكيّ عن الروض، و قال: إنّ أوّلهما قريب ممّا في المعتبر [١]. و قد حكى في جامع المقاصد عن التذكرة ما سمعته، و نظر فيه بوجهين: أحدهما: ما عرفته من صلاة الصفّ المستطيل المتصل بمحراب النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، و الثاني: أنّ البعيد لا يشترط في صحّة صلاته ظنّه محاذاة الكعبة؛ لأنّ ذلك لا يتّفق غالباً، فإنّ البعد الكثير يخلّ بظنّ محاذاة الجرم اللطيف، فيمتنع اشتراطه في الصلاة [٢].
قلت: يمكن على بُعدٍ إرجاعه إلى ما ذكرنا من إرادة أنّه بسبب صورة استقباله لها يتراءى له حتى يظنّ- أي يحتمل- أنّ الكعبة، في كلّ خطّ من خطوطه في نفسه و حدّ ذاته، و إلّا فقد يقطع بالعدم من جهة أمر خارجي و إن بقي صورة الاستقبال المورث للاحتمال لو لا سبب العلم من خارج، فتأمّل. و كذا الكلام في تعريفها في الذكرى و المحكي عن الجعفرية من «أنّها السمت الذي يظنّ كون الكعبة فيه» [٣] لا مطلق الجهة. و أغرب ما وقع في تفسير الجهة ما يحكى عن المقداد و المحقّق الثاني في شرح الألفيّة.
قال أوّلهما: «جهة الكعبة التي هي القبلة للنائي خطّ مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليّين، و يمرّ بسطح الكعبة، فالمصلّي حينئذٍ يفرض [من] نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخطّ، فإن وقع عليه على زاوية قائمة فذاك هو الاستقبال، و إن كان على حادّة و منفرجة فهو إلى ما بين المشرق و المغرب» [٤].
و فيه: أنّه لا يصدق عليه استقبال الكعبة عرفاً و لا شرعاً؛ إذ هذا الخطّ ليس كعبة كي يكون استقباله استقبالها.
و قال ثانيهما: «إنّها ما يسامت الكعبة عن جانبيها، بحيث لو خرج خطّ مستقيم من موقف المستقبل تلقاء وجهه وقع على خطّ جهة الكعبة بالاستقامة، بحيث يحدث عن جنبيه زاويتان قائمتان، فلو كان الخطّ الخارج من موقف المصلّي واقعاً على خطّ الجهة لا باستقامة بحيث تكون إحدى الزاويتين حادّة و الاخرى منفرجة فليس مستقبلًا لجهة الكعبة» [٥]. و ظنّي أنّ الذي أوقع هؤلاء الفضلاء في مثل هذا الوهم التعبير بلفظ الجهة، و لو أنّهم عبّروا بما في النصوص من أنّه يجب على كلّ أحد استقبال الكعبة، و أنّه لا يقبل اللّٰه من أحد توجّهاً إلى غيرها، و أنّها هي قبلة المسلمين لم يقع أحد منهم في هذا الوهم؛ ضرورة كون المدار على صدق الاستقبال. و إن اختلفت أفراده مصاديقه بحسب القرب و البعد، و ليس استقبال الجهة بالمعنى المزبور منها قطعاً؛ ضرورة اجتماعها مع فرض كون الكعبة على اليمين و الشمال للبعيد من حيث كونه بعيداً، كما هو واضح بأدنى تأمّل. و أمّا ما في الروضة و عن غيرها من تعريفها بأنّها «القدر الذي يجوز على كلّ جزء منه أنّ الكعبة فيه، و يقطع بعدم خروجها عنه لأمارة شرعيّة» [٦].
فقريب الانطباق على ما ذكرنا بعد إرادة المنشئيّة- بسبب الاستقبال الصوري- من التجويز و القطع. و به يندفع ما يورد على طرده بفاقد العلامات أصلًا؛ لتجويزه على كلّ جزء من جميع الجهات أنّه الكعبة، فينبغي اكتفاؤه بصلاة واحدة إلى أيّ جهة شاء، و كذا من قطع بنفي جهة أو جهتين و شكّ في الباقي، فإنّه يصدق عليه التعريف المزبور و ليس بجهة القبلة؛ ضرورة أنّه بناءً على إرادته ما ذكرنا لا يرد عليه شيء من ذلك. بل و لا يرد عليه أيضاً أنّه يجتمع فيه العلم و الاحتمال في محلّ واحد؛ ضرورة اختلاف المتعلّق، فإنّ محلّ العلم- حيث لا يكون مشخّصاً بدلالة معصوم و نحوه- الفرد المنتشر على البدل، و الاحتمال الجميع.
[١] الروض ٢: ٥١٤.
[٢] جامع المقاصد ٢: ٤٨.
[٣] الذكرى ٣: ١٦٠. الجعفرية (رسائل الكركي) ١: ١٠٣.
[٤] التنقيح ١: ١٧٨.
[٥] شرح الألفية (رسائل الكركي) ٣: ٢٤١- ٢٤٢.
[٦] الروضة ١: ١٩٠.