جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٢٠ - صلاة الراكب المتمكّن من فرائضها
..........
بل قال في الدروس: «ظاهر الأصحاب أنّ الصلاة في السفينة مقيّدة بالضرورة إلّا أن تكون مشدودة» [١]. قلت: بل قد يشعر استدلال المانعين عن الصلاة فيها اختياراً- كالذكرى و المسالك و الموجز و حاشية الميسي و روض الجنان و مجمع البرهان [٢] على ما حكي عن بعضها، بل و التقي و العجلي [٣]، إلّا أنّه لم يثبت ذلك عن الأخيرين- بعدم قرار المصلّي و كثرة الحركات منه ممّا يندرج به في الفعل الكثير في الصلاة بعدم إرادة القائل بالجواز ثبوته اختياراً و إن فات الركوع و السجود و الاستقبال و القيام و الاستقرار الذاتي للمصلّي، و إلّا لاتجه إلزامه به؛ ضرورة أولويّته من ذلك قطعاً، بل هو مشعر بكون النزاع في الصلاة في السفينة من حيث الحركة لها إذا كانت سائرة، أو واقفة مضطربة، أو عدم استقرارها على الأرض لو كانت واقفة لا حركة فيها و إن كان المصلّي فيها مستقرّاً ساكناً غير مضطرب، فناس قالوا بالجواز؛ لعدم ثبوت مانعيّة اضطراب المكان، و عدم استقراره من صحّة الصلاة إذا لم يؤدّ إلى اضطراب في المصلّي عرفاً، بل كان يصدق عليه أنّه مستقرّ مطمئنّ، و ناس قالوا بالعدم؛ اقتصاراً على المتيقّن في الصحّة من مكان المستقر على الأرض. و لعلّ التأمّل في كلام كثير منهم يشهد بأولويّة تحرير النزاع في ذلك من الأوّل، بل قد يظهر من المحقّق الثاني في جامع المقاصد و الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح و المحكيّ عن الجعفريّة و شرحيها [٤] معلوميّة كون النزاع بينهم فيه، و أنّه لا مجال لاحتمال غيره. و يؤيّده زيادة على ذلك أنّه لم يحك في الكتب المعدّة لنقل كلام الأصحاب عن أحدٍ منهم التصريح بالجواز اختياراً و إن فاتت تلك الأفعال. نعم حكي ذلك عن ظاهر المبسوط و النهاية و الوسيلة و المهذّب و نهاية الإحكام [٥]. قال في الأوّل: «أمّا من كان في السفينة فإن تمكّن من الخروج منها و الصلاة على الأرض خرج، فإنّه أفضل، فإن لم يفعل أو لا يتمكّن منه جاز أن يصلّي فيها الفرائض و النوافل، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، و إذا صلّى فيها صلّى قائماً مستقبلًا للقبلة، فإذا دارت السفينة دار معها و استقبل القبلة، فإن لم يمكنه استقبل بأوّل تكبيرة القبلة، ثمّ صلّى كيفما دارت. و قد روي أنّه يصلّي إلى صدر السفينة، و ذلك يخصّ النوافل، و إذا لم يجد فيها ما يسجد عليه سجد على خشبها، فإن كان مقيّراً غطّاه بثوب و يسجد عليه، فإن لم يقدر سجد على القير عند الضرورة و أجزأه». قال في كشف اللثام: «و نحوه الباقي مع إهمال الضرورة في السجود على القير، عدا الأخير فليس فيه حديث السجود، و لعلّه غير مراد لهم» [٦]. قلت: و هو- مع اختصاصه بفوات الاستقبال و القيام خاصّة- يمكن أن يكون ذلك منه بياناً لحال عدم التمكّن من الخروج، لا لعدم الفعل اختياراً. على أنّه لو سلّم كون المراد من هذه العبارات ذلك فهو- مع اختصاصه في الاستقبال و القيام- دون الشهرة بمراتب، فضلًا عن دعوى فهم الأصحاب، فلا وجه للترجيح به، فضلًا عن أن يعارض ما عرفت من المرجّحات السابقة. و كذا لا وجه للقول بأنّ المراد بالصلاة في السفينة التي لا يعلم فوات الأفعال المزبورة منها ابتداءً، أمّا المعلومة فلا إشكال في عدم الجواز فيها اختياراً لما ذكرت. و حينئذٍ فالشارع في الصلاة في السفينة برجاء التمكّن منها تامّة الأفعال إذا عرض
[١] الدروس ١: ١٦١.
[٢] الذكرى ٣: ١٩١. المسالك ١: ١٥٩. الموجز الحاوي (الرسائل العشر): ٦٧. نقله عن حاشية الميسي في مفتاح الكرامة ٢: ١٠٧. الروض ٢: ٥٢٠. مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٦٥.
[٣] الكافي: ١٤٧. السرائر ١: ٣٣٦.
[٤] جامع المقاصد ٢: ٦٤. المصابيح ٦: ٩٨- ١٠٠. الجعفرية (رسائل الكركي) ١: ١٠٥. نقله عن شرحيها في مفتاح الكرامة ٢: ١٠٧.
[٥] المبسوط ١: ١٣٠. النهاية: ١٣٢. الوسيلة: ١١٥. المهذب ١: ١١٨. نهاية الإحكام ١: ٤٠٦.
[٦] كشف اللثام ١: ١٥٧.