جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣١٩ - صلاة الراكب المتمكّن من فرائضها
..........
اشتمل على ذكر صلاة نوح (عليه السلام)؛ ضرورة ظهوره في اضطرار نوح (عليه السلام) لتلك الصلاة، فمن ساواه في ذلك لم يكن له ليرغب عن صلاته، فلا يشمل المتمكّن من الصلاة على الجدد بلا مشقّة و لا ضرورة تلجئه إلى الصلاة في السفينة المقتضية في بعض الأحوال فوات كثير من الواجبات، كالركوع و الاستقبال و السجود و القيام و الاستقرار، فيمكن حمل الصحيح المزبور و غيره على إرادة غير هذا الفرد من الصلاة في السفينة، على أنّه بعد الإغضاء عن ذلك ليس هو إلّا مطلقاً كالأخبار التي بعده. و الاستدلال به على جواز الصلاة في السفينة المفوّتة لما عرفت- فضلًا عن غيرها و إن كان متمكّناً من الجدد و نحوه مما لا يفوت به شيء من ذلك- معارض بجميع ما دلّ على وجوب كلّ منها من النصوص المتواترة و الإجماعات و الآيات و غيرها ممّا هو مسطور في محلّه، و التعارض بينهما بالعموم من وجه، و لا ريب في رجحانه على هذه الأخبار من وجوه، خصوصاً و لم يعرف في غير المقام سقوط الركوع و السجود و القيام و نحو ذلك اختياراً، بل المعروف منهم اختصاص سقوطها في حال الاضطرار، مضافاً إلى ترجيحها:
١- بما في مضمر عليّ بن إبراهيم: «و لا يصلّي في السفينة و هو يقدر على الشطّ» [١].
٢- و ما في الحسن كالصحيح: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يُسأل عن الصلاة في السفينة فيقول: «إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً و تحرّوا القبلة» [٢].
٣- و ما عساه يشعر به سؤال صحيح عبد اللّه بن سنان من معلوميّة اعتبار الاضطرار في الصلاة في السفينة، كسؤال علي بن جعفر أخاه فيما روي من كتابه، قال: سألته عن قوم لا يقدرون أن يخرجوا إلى الطين و الماء هل يصلح لهم أن يصلّوا الفريضة في السفينة؟ قال: «نعم» [٣]، و إلّا لحسن من الإمام (عليه السلام) بيان جواز ذلك اختياراً ردّاً للإشعار المزبور. بل صحيح ابن أبي عمير عن الخزّاز كالصريح في ذلك، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّا ابتلينا و كنّا في سفينة فأمسينا و لم نقدر على مكان نخرج فيه، فقال أصحاب السفينة: ليس نصلّي يومنا ما دمنا نطمع في الخروج، فقال: «إنّ أبي كان يقول: تلك صلاة نوح (عليه السلام)، أو ما ترضى أن تصلّي صلاة نوح؟ فقلت: بلى جعلت فداك، فقال: لا يضيقنّ صدرك، فإنّ نوحاً قد صلّى في السفينة، قال: قلت: قائماً أو قاعداً، قال: بل قائماً، قال: قلت: فإنّي ربّما استقبلت القبلة فدارت السفينة، قال: تحرّ القبلة جهدك» [٤].
٤- و ما عساه يشعر به خبر ابن عذافر، قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل يكون في وقت الفريضة و لا تمكنه الأرض من القيام عليها من كثرة الثلج و الماء و المطر و الوحل، أ يجوز له أن يصلّي الفريضة في المحمل؟ فقال له: «نعم، هو بمنزلة السفينة، إن أمكنه قائماً، و إلّا قاعداً، و كلّ ما كان من ذلك فاللّٰه أولى بالعذر» [٥]. و احتمال معارضة ذلك كلّه بترجيح هذه الأخبار بفهم الأصحاب، يدفعه: عدم ثبوت ذلك منهم. قال في الذكرى: «إنّ كثيراً من الأصحاب جوّزوا الصلاة في السفينة و لم يذكروا الاختيار» [٦]. قلت: بل قيل: إنّه يلوح من الجمل و المراسم و الكافي و الغنية و السرائر الاختصاص بحال الضرورة [٧]،
[١] الوسائل ٤: ٣٢١، ب ١٣ من القبلة، ح ٨.
[٢] المصدر السابق: ٣٢٣، ح ١٤.
[٣] مسائل علي بن جعفر: ١٦٣، ح ٢٥٦. الوسائل ٤: ٣٢٣، ب ١٣ من القبلة، ح ١٦.
[٤] الوسائل ٥: ٥٠٦، ب ١٤ من القيام، ح ٩.
[٥] الوسائل ٤: ٣٢٥، ب ١٤ من القبلة، ح ٢.
[٦] الذكرى ٣: ١٩٠.
[٧] مفتاح الكرامة ٢: ١٠٧.