جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٦٥ - علامات قبلة أهل العراق
..........
(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ)* [١]، قال: «معنى شطره نحوه إن كان قريباً، و بالدلائل و الأعلام إن كان محجوباً، فلو علمت القبلة لوجب استقبالها و التولّي و التوجّه إليها، و لو لم يكن الدليل عليها موجوداً حتى تستوي الجهات كلّها فله حينئذٍ أن يصلّي باجتهاده حيث أحبّ و اختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المثبوتة، فإن مال عن هذا التوجّه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غرباً و الغرب شرقاً زال معنى اجتهاده و فسد حال اعتقاده» قال: «و قد جاء عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) خبر منصوص مجمع عليه أنّ الأدلّة المنصوبة إلى بيت اللّٰه الحرام لا تذهب بكلّيتها حادثة من الحوادث منّاً من اللّٰه تعالى على عباده في إقامة ما افترض عليهم» [٢].
٧- و ما عساه يظهر من سؤال موثّق سماعة عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم الذي قد امر في جوابه باجتهاد الرأي و تعمّد القبلة منتهى الجهد [٣]، و غير ذلك. لكن:
١- لا يخفى إجمال الجميع و قصوره عن إفادة الواقع تفصيلًا. نعم يمكن تنزيل الخبر الأوّل- بقرينة بلد السائل فيه، و موافقته لمقتضى قانون الهيئة- على العراقي بعد إرادة المنكب من القفا فيه بقرينة المرسل الآخر. أو خصوص ما يكون فيه على القفا من العراق كالموصل و نحوه، أو يبنى على التسامح في ذلك، أو على أنّ كلّاً منهما محصّل للمحاذاة من بعد، أو غير ذلك.
٢- كما أنّ المرسل أيضاً ينبغي تنزيله كذلك؛ للقطع بعدم إرادة إطلاقه، خصوصاً و المخاطب فيه خاص، و الاشتراك في التكليف فرع المشاركة في الموضوع، فتأمّل جيّداً.
٣- و صحيح زرارة يجب حمله على إرادة بيان أنّ ذلك [ما بين المشرق و المغرب] منتهى القبلة و لو في بعض الأحوال، لا أنّه يجزئ استقبال أيّ نقطة من ذلك اختياراً كما هو مقتضى لفظ «كلّ» فيه؛ لبطلانه سنّةً و كتاباً و إجماعاً، بل و ضرورةً من المذهب إن لم تكن من الدين. و لو لا لفظ «كلّ» المزبور أمكن حمله على إرادة بيان العلامة الاولى بعد حمل لفظ الحدّ في السؤال على إرادة معرّف القبلة للعراقي بقرينة السائل أيضاً. و لعلّ لفظ «كلّ» فيه لتعميم اجزاء ما بين المشرق و المغرب لاستطالة السمت فيه، أو لتعميم المشارق و المغارب كما تسمعه إن شاء اللّٰه، أو غير ذلك ممّا لا ينافي ما ذكرنا. و من الغريب ما في الذكرى من أنّ «هذا الصحيح نصّ في الجهة» [٤]؛ ضرورة أنّه لا ينطبق ظاهره على كلّ حال؛ إذ من قال بالجهة لا يتوسّع فيها إلى هذا الحدّ، و لئن كان فالضرورة حجّة عليه كما هو واضح، فلا ريب في أولويّة ما ذكرناه [حمله على إرادة منتهى القبلة] من ذلك، بل لعلّه هو مراد الشهيد أيضاً، لا التوسعة المزبورة، فيوافق حينئذٍ إطلاق المصنّف و غيره من الأصحاب كونَهما علامة. خلافاً لجماعة فقيّدوهما بالاعتداليّين، و لعلّه لشدّة التفاوت فيهما باختلاف الفصول المقتضي لعدم كون العلامة مطلق المشرق و المغرب، و لو كان كلٌّ منهما من فصلٍ تفاوت ذلك أشدّ تفاوت، و ربّما أدّى إلى الانحراف إلى المشرق أو أزيد من ذلك. و تخصيصهما بما يوافق وضع الجدي للعراقي يوجب سقوط فائدة العلامة. و لعلّ هذا هو مراد الشهيد الثاني في الروضة بقوله: «إنّه إن اريد منهما الجهتان العرفيّتان انتشر الفساد كثيراً بسبب الزيادة فيهما و النقصان الملحق لهما تارةً بعلامة الشام، و اخرى بالعراق، و ثالثةً بالزيادة عليهما» ٥، أو
[١] البقرة: ١٤٤، ١٥٠.
[٢] رسالة المحكم و المتشابه: ٩٦- ٩٧. الوسائل ٤: ٣٠٨، ب ٦ من القبلة، ح ٤، و فيه: «مرئيّا» بدل: «قريباً».
[٣] الوسائل ٤: ٣٠٨، ب ٦ من القبلة، ح ٢.
[٤] ٤، ٥ الذكرى ٣: ١٦٠. الروضة ١: ١٩٥.