جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٦٧ - علامات قبلة أهل العراق
و أمّا العلامة الثانية (١) [فهي معتبرة من غير تقييد بغاية الارتفاع و الانخفاض].
(١) التي ذكرتها النصوص كما عرفت، فلا خلاف أجده فيها بين الأصحاب. نعم قيّده جماعة منهم بما إذا كان الجدي في غاية الارتفاع و الانخفاض، بمعنى صيرورته إلى الأرض و الفرقدين إلى السماء أو بالعكس، لا إذا كان أحدهما في المشرق أو فيما بين المشرق و المغرب، و لعلّه لأنّه حينئذٍ يكون في دائرة نصف النهار المارّة بالقطبين محاذياً للنجم الصغير المسمّى بالقطب؛ لشدّة قربه منه، بخلافه في غير الحالين، فإنّه منحرف مشرقاً أو مغرباً، فجعله في الحال الأوّل على المنكب الأيمن ينطبق على القبلة؛ لاقتضائه الانحراف عن نقطة الجنوب إلى الشمال بما هو مقتضى التفاوت بين طولي البلدين الذي هو المدار في القبلة. و من هنا كان المعروف بينهم أنّ الأوثق منه في الحالين المزبورين و المتعيّن للعلامة في غيرهما نجم خفيّ في وسط الأنجم- التي في صورة الحوت لا يدركه إلّا حديد البصر، حوله أنجم دائرة في أحد طرفيها الفرقدان، و في الآخر الجدي، و بين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق، و ثلاثة من أسفل- يسمّى بالقطب؛ لأنّه أقرب الكواكب إليه، يدور حوله كلّ يوم و ليلة دورة لطيفة لا تكاد تدرك، فهو العلامة للقبلة حينئذٍ؛ ضرورة كون المدار على الانحراف عن نفس القطب، فالقريب إليه أولى بالعلامة، فلو علم كان أوثق من الجدي في الدلالة. إلّا أنّه صرّح غير واحد منهم أنّه يجعل حينئذٍ خلف الاذن اليمنى لا المنكب، لكن لخفائه على أكثر الناس و سهولة التفاوت بين دائرته و دائرة الجدي في الحالين المزبورين اقيم الجدي مقامه في تعرّف القبلة. و لعلّه للتفاوت المزبور بينهما تفاوتت كيفيّة وضعهما للدلالة، بناءً على إرادة مجمع العضد و الكتف من المنكب، و إلّا فلا تفاوت معتدّ به كما ستعرف. فما في المدارك [١] من التخالف بين الكلامين في غير محلّه. نعم قد يناقش في ذلك: ١- بما حكاه الأردبيلي عن خاله الذي لم يسمح الزمان بمثله بعد نصير الملّة و الدين من «أنّ الجدي أقرب إلى القطب من تلك النجمة، كما برهن عليه في كتب الهيئة» [٢]، بل قال المقدّس المزبور: «إنّا وضعنا قصبة و رأينا منها الجدي في أوّل الليل مثلًا، و علّمنا على تلك النجمة علامة تحاذيها، ثمّ نظرنا بعد نصف الليل بكثير رأيناه من تلك القصبة و رأينا تلك النجمة خرجت عن محاذاة تلك العلامة بكثير، تقريباً أكثر من ثلث دائرة، ثمّ نظرنا قريب الصباح ما رأيناه منها و قد وصلت تلك إلى نصف دائرة كبيرة تقريباً، و هو واضح لمن جرّب و تأمّل» ٣. ٢- و بما حكاه هو أيضاً عن خاله من «أنّه ليس الجدي حال الاستقامة على القطب الشمالي، بل له أوضاع متعدّدة، و هو إنّما يكون على القطب و خطّ نصف النهار حال كونه مائلًا إلى الغرب كثيراً، و هو أيضاً معلوم بالبرهان و الاسطرلاب و غيره» ٤. قال: «و يؤيّده أنّهم يجعلونه حال الاستقامة و عكسها محاذياً للمنكب، فيلزم كون قبلة العراق خطّ نصف النهار، مع أنّه معلوم العدم، و هم صرّحوا بأنّها مائلة عنه إلى الغرب، و استخرجه سلّمه اللّٰه تعالى في الكوفة و النجف الأشرف قال: إنّها مائلة عنه باثني عشر درجة تخميناً» ٥. لكنّك خبير بضعف الظنّ من كلام هذين المقدّسين في مقابلة كلام اولئك الأساطين، خصوصاً دعوى أنّ الجدي حال الاستقامة ليس على القطب، و من الغريب تأييده بما سمعت، المقتضي للانحراف في القبلة لا ما ذكره. نعم يمكن دعوى العبرة بالجدي من غير تقييد بما عرفت؛ لإطلاق النصوص السابقة، و المحكي من فتاوى كثير من الأصحاب كالشيخين و شاذان و بني حمزة و إدريس و سعيد و الفاضل و الشهيد [٦] و غيرهم، إمّا للتسامح في هذا التفاوت، أو لغير ذلك، إلّا أنّ الأحوط مراعاته، و اللّٰه أعلم.
[١] المدارك ٣: ١٢٩.
[٢] ٢، ٣، ٤، ٥ مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٧١، ٧٢، ٧٣.
[٦] المقنعة: ٩٦. النهاية: ٦٣. نقله عن شاذان في البحار ٨٤: ٧٧. الوسيلة: ٨٥. السرائر ١: ٢٠٤. الجامع للشرائع: ٦٣. التحرير ١: ١٨٦. البيان: ١١٤.