جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٤ - كيفية استقبال الكعبة
..........
و ظاهراً؛ بحيث لا يحتاج من له أدنى دراية إلى جمعها و تنقيحها. و كأنّ إطناب الاستاذ الأكبر في ذلك في شرحه على المفاتيح [١] لزيادة التشنيع على من استدلّ بها على التوسعة المزبورة و نحوها. كما أنّ الأخذ بإطلاق وضع الجدي في القفا ثمّ الصلاة معلوم البطلان بالضرورة، و من هنا نزّل على العراق و ما سامتها. و حيث عرفت و تعرف إن شاء اللّٰه قيام الظنّ هنا مقام العلم عقلًا و نقلًا، لم يكن بأس في الرجوع إلى قواعد الهيئة، و لا بتقليد أهلها في ذلك، بل ربّما استفاد الماهر فيها العلم بالاستقبال، كما أنّه لا ريب في حصول الظنّ به منها، بل الظاهر أنّه أقوى من غيره و لذا عوّل أصحابنا عليها، و وضعوا كثيراً من العلامات بمراعاتها كما اعترف به بعضهم [٢]. فمن الغريب دعوى عدم استفادة شيء من العلم أو الظنّ من كلامهم، مع أنّ أكثره- كما قيل [٣]- ثابت بالبراهين القطعية و الدلائل الهندسيّة التي لا يتطرّق إليها شبهة، و لا يحوم حولها وصمة ريب.
و عدم الوثوق بإسلامهم فضلًا عن عدالتهم لا يمنع حصول الظنّ، كما لا يمنع من حصوله في غيره من اللغة و الصرف و النحو و الطب و غير ذلك، الذي من المعلوم ضرورة الرجوع إليه.
و ليس المراد التقليد في الحكم الشرعي المشترط فيه ذلك، بل المراد حصول الظنّ الذي لا ينبغي إنكاره و لا التعويل عليه، و إن أطنب في بيان ذلك المحقّق البهائي في حبله، و تبعه الاستاذ الأكبر في شرحه [٤]، لكنّا بحمد اللّٰه في غنية عنه؛ إذ هو من الواضحات المسلّمات عندنا، خصوصاً بعد ما تعرفه إن شاء اللّٰه منّا و من غيرنا من العمل بالظنّ من قول الكافر و نحوه إذا لم يكن ظنّ أقوى منه، فالتكليف به حينئذٍ مع فرض كونه الأحرى و عدم العسر في تحصيله ثابت بالضرورة لا منفي.
و دعوى عدم استفادة الظنّ من الأدلّة على كرويّة الأرض- التي هي مبنى العلم المزبور- واضحة المنع عند أهل الفنّ، كدعوى إنكار أهل الشرع كرويّتها؛ إذ ليس لهم في ذلك كلام محرّر، بل المحكي عن العلّامة منهم في كتاب الصوم من التذكرة التصريح بكرويّة الأرض، مفرّعاً عليها جواز رؤية الهلال في بلد دون آخر؛ لأنّ حدبيّة الأرض مانعة عن ذلك، بل قال: قد رصد ذلك أهل المعرفة، و شوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب الغربيّة لمن جدّ في السير نحو المشرق و بالعكس [٥]، و كذا حكي عن ولده فخر المحقّقين [٦]، و كونها فراشاً و مهاداً و مسطّحة لا ينفي كونها كرويّة باعتبار عظم حجمها بحيث يحصل ذلك فيها و ترى مسطّحة، كما عن الزمخشري [٧] التصريح ببعض ذلك في آية الفراش، بل هو المحكي عن المرتضى (رحمه الله) [٨] أيضاً.
و دعوى اختلاف قبور الأئمّة (عليهم السلام) مع قربها اختلافاً لا يتسامح فيه في استقبال البعيد و لو ظنّاً- مع استمرار السيرة القطعيّة على إيقاع ما يشترط فيه الاستقبال على ذلك- ممنوعة أشدّ المنع على مدّعيها، و كأنّ المسألة بحمد اللّٰه من الواضحات التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلّة و البيّنات. و لو لا سريان هذه الشبهة إلى جماعة من أهل هذا العصر لكان ما صدر منّا من الكلام، فضلًا عن الزيادة عليه من تضييع العمر في الفضولات، و اللّٰه أعلم بحقيقة الحال.
و كيف كان، فهذا كلّه في تحقيق الجهة التي امر أصحاب البعيد باستقبالها.
[١] المصابيح ٦: ٣٩٧.
[٢] الذكرى ٣: ١٦٢.
[٣] الحبل المتين: ١٩٤.
[٤] الحبل المتين: ١٩٣. المصابيح ٦: ٣٩٩.
[٥] التذكرة ٦: ١٢٣.
[٦] الايضاح ١: ٢٥٢.
[٧] تفسير الكشاف ١: ٩٤.
[٨] أمالي المرتضى ٤: ٩٦.