جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠ - الصلاة لغة
و قد يقال (١): إنّها بمعنى أعمّ من الدعاء ينطبق عليها جميعها [الرحمة و الاستغفار و المتابعة و حسن الثناء من اللّٰه تعالى على رسوله و التعظيم و ...]، كمطلق طلب الخير و إرادته مثلًا، و إن كان هو بالنسبة إلى اللّٰه عين الفعل (٢).
(١) بملاحظة استعمالها في بيت الأعشى، و قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ) [١]، و (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً) [٢]، و (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ٣، و «اللّهمّ صلّ على محمّد و آله» و نحو ذلك، مع أصالة عدم الاشتراك، و ظهور اتّحاد المراد منها في قوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ).
(٢) لعدم تخلّفه عن الإرادة، فالمراد حينئذٍ من الآية: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) يريدون الخير- من الرحمة و البركة و الشفاعة و التعظيم و غيرها- لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فيا أيّها الذين آمنوا أنتم أيضاً أريدوا به كذلك كما يريد اللّٰه له. و كذا المراد من قوله: «اللّهمّ صلّ على ... إلى آخره»، بل و قوله تعالى: (عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ)؛ لما عرفت أنّ إرادته لا بدّ من أن تكون سبباً لوقوع المراد من البركة و نحوها، بل و كذا بيت الأعشى و غيره ممّا ينطبق عليها جميعها. لكن روى الصدوق في المحكيّ عن معاني الأخبار مسنداً إلى أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) إلى آخره؟ فقال: «الصلاة من اللّٰه عزّ و جلّ رحمة، و من الملائكة تزكية، و من الناس دعاء- إلى أن قال:- فقلت له: كيف نصلّي على محمّد و آله؟ قال (عليه السلام): تقولون: صلوات اللّٰه و صلوات ملائكته و أنبيائه و رسله و جميع خلقه على محمّد و آل محمّد، و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته، قلت: فما ثواب من صلّى بهذه الصلاة؟ قال: الخروج من الذنوب- و اللّٰه- كهيئة يوم ولدته امّه» [٤]. و في خبر كعب بن عجرة المروي عن المجالس و الأمالي: قلت: يا رسول اللّٰه قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ...» [٥]. و هما معاً- كما ترى- يمكن عدم منافاتهما لما ذكرنا، و لقد عثرت بعد ذلك على كلام للفاضل المتبحّر ابن هشام في المغني يقرب ممّا قلناه، بل هو هو، حيث إنّه- بعد أن حكى عن بعضهم أنّ الصلاة المقدّرة في قوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ) إلى آخره بمعنى الرحمة، و الموجودة بمعنى الاستغفار- قال:
«قلت: الصواب عندي أنّ الصلاة لغةً، بمعنى واحد، و هو العطف، ثمّ العطف بالنسبة إلى اللّٰه تعالى الرحمة، و إلى الملائكة الاستغفار، و إلى الآدميّين دعاء بعضهم لبعض».
و أمّا قول الجماعة فبعيدٌ من جهات: إحداها: اقتضاؤه الاشتراك، و الأصل عدمه؛ لما فيه من الالتباس، حتى أنّ قوماً نفوه.
ثمّ المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره ممّا يخالف الأصل كالمجاز قدّم عليه. الثانية: أنّا لا نعرف في العربية فعلًا واحداً يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقيّاً. الثالثة: أنّ الرحمة فعلها متعدٍّ و الصلاة فعلها قاصر، و لا يحسن تفسير القاصر بالمتعدّي. الرابعة: أنّه لو قيل مكان «صلّى عليه»: «دعا عليه» انعكس المعنى، و حقّ المترادفين صحّة حلول كلّ منهما محلّ الآخر [٦]، فتأمّل، و اللّٰه أعلم.
[١] البقرة: ١٥٧.
[٢] ٢، ٣ الأحزاب: ٥٦.
[٤] معاني الأخبار: ٣٦٨، ح ١. الوسائل ٧: ١٩٦، ب ٣٥ من الذكر، ح ١.
[٥] أمالي الصدوق: ٣١٥- ٣١٦، ح ٥. أمالي الطوسي ٢: ٤٣. الوسائل ٧: ١٩٧، ب ٣٥ من الذكر، ح ٢.
[٦] مغني اللبيب ٢: ٧٩١- ٧٩٢.