جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٦٦ - علامات قبلة أهل العراق
..........
يريد المتسامح فيهما من العرفيّتين.
لكن قد يدفع ذلك كلّه بدعوى كون المتبادر مشرق كلّ يوم و مغربه، فلا يقدح حينئذٍ فيهما اختلاف الفصول؛ لاتفاق الجميع حينئذٍ على استقبال نقطة الجنوب. لكن فيه: أنّها [نقطة الجنوب] قبلة بعض العراق، بل النادر، بل قيل: لم يوجد. و من هنا جزم والد البهائي فيما حكاه ولده عنه بأنّ إطلاق الأصحاب أولى من التقييد المزبور؛ لما فيه من تعميم الفائدة بخلافه؛ إذ لا يعرف الاعتدالي منهما في سائر الأوقات إلّا الأوحدي من الناس القادر على استخراج خطّ الاعتدال. و مع ذلك فليس هو أضبط ممّا سمعت إلّا مع تدقيق تامّ؛ لأنّ استخراجه بالدائرة الهنديّة و نحوها تقريبي؛ لابتنائه على موازاة مدارات الشمس للمعدّل. و هذا التقريب قريب من ذلك فلا داعي إلى التقييد [١]. و لا ريب في جودته إن كان لا يختلف ذلك باختلاف الفصول.
نعم قد يشكل ذلك كما لو اريد منه الاعتدالي أو الجهتان المصطلح عليهما، و هما المتقاطعان لجهتي الجنوب و الشمال بخطّين بحيث يحدث عنهما زوايا قوائم بأنّه مخالف لمفاد العلامة الثانية؛ ضرورة اقتضائها الانحراف عن نقطة الجنوب إلى المغرب، بخلاف ما نحن فيه المقتضي لاستقبال نقطة الجنوب، و مقتضاه كون الجدي حينئذٍ بين الكتفين؛ لأنّه حال استقامته يكون على دائرة نصف النهار المارّة بنقطتي الجنوب و الشمال، فجعل المشرق و المغرب على اليمين و اليسار يوجب جعل الجدي بين الكتفين قضيّةً للتقاطع. و دعوى اغتفار التفاوت المزبور لا شاهد عليها.
و في كشف اللثام: «أنّ العلامة جعل الفجر فجر الاعتدال- كما في السرائر- أو غيره على المنكب الأيسر، أي بإزائه خلفه، و المغرب مغرب الاعتدال أو غيره على المنكب الأيمن قدّامه، و العبرة بكون الجدي عند غاية ارتفاعه أو انحطاطه بحذاء المنكب الأيمن أي خلفه، فبذلك يتقدّر تأخّر الفجر و تقدّم المغرب، و لا يتفاوت في الصحّة أن يراد الاعتداليّان منهما و الأعم» [٢]، و مآله إلى ما ذكره في الروض من أنّ «المراد جانب المشرق المائل عن نقطة الاعتدال نحو الجنوب، و المغرب المائل عن نقطة اعتداله نحو الشمال، فتساوى العلامتان» [٣]. إلّا أن الجميع كما ترى غير حاسم للإشكال الوارد على ظاهر عبارات الأصحاب، لكنّه أولى من القول بأنّه علامة في الجملة و لو لبعض أهل العراق كالموصل و ما سامتها المساوية لمكّة طولًا كما جزم به بعضهم [٤]؛ لأنّ أكثر بلاد العراق منحرفة عن نقطة الجنوب نحو المغرب و إن اختلفت في الزيادة و النقصان، أمّا ما سامت منه نقطة الجنوب فهو نادر قليل لا يكاد يدخل في مسمّى العراق كموصل و سنجار، فلا تحمل عليه. على أنّ النصّ إنّما ورد بالعلامة الثانية، فحملها حينئذٍ عليها مع الإمكان أولى، بل لعلّ ذلك وجه جمع بين الخبرين المزبورين بناءً على إرادة العلامة الاولى من الصحيح منهما.
و يمكن الجمع بين العلامات الثلاث باغتفار هذا التفاوت، أو أنّه لا يقدح فيما ذكرناه من الجهة بالمعنى المزبور [أي استقبال الكعبة من غير اعتبار اتصال الخطوط بها]، أو غير ذلك، لكنّ الاحتياط- الموافق لما ذكرناه سابقاً في الجهة- الاقتصار على المعلوم إفادته الظنّ بها مع الإمكان لا المظنون أو المحتمل منه.
[١] الحبل المتين: ١٩٣.
[٢] كشف اللثام ٣: ١٤٢.
[٣] الروض ٢: ٥٣٢.
[٤] المصدر السابق.