جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٩ - النظر الأول ماهيّة القبلة
..........
على جرم الكعبة لم تتّصل الخطوط أجمع بالكعبة، و إلّا لخرجت عن كونها متوازية، لكن و إن صدق استقبال العين للبعيد بذلك الاستقبال الصوري، إلّا أنّه لا يتوقّف على الموازاة المزبورة، بل الظاهر تحقّقه و إن لم يعلم، بل و إن علم العدم، و به يظهر الفرق بين العين و الجهة كما تسمعه [١] محرّراً إن شاء اللّٰه.
هذا، و إن أبيت عن قبول كلامهم لشيء ممّا ذكرنا فلا ريب في قبول النصوص الاحتمال المزبور، خصوصاً مع معارضتها بما عرفت من النصوص، بل الضرورة. على أنّها بنفس هذا اللفظ مرويّة من طرق العامّة، و إلى بعض ذلك أشار العلّامة الطباطبائي بقوله:
و قيل: بل يستقبل النائي الحرم * * * و من به فالمسجد الحرام أمّ
و من به فالبيت للرواية * * * و اوّلت للنصّ و الدراية [٢]
و من ذلك كلّه تعرف ما في إجماع الشيخ؛ إذ هو في مفروض الثمرتين مقطوع بعدمه أو مظنون. و الآية [٣] إن لم تدلّ على المختار فلا تدلّ على عدمه؛ ضرورة صراحتها أو ظهورها في جهة المسجد و ناحيته ممّا هو مخالف؛ لوجوب استقبال عين الحرم الذي هو مذهب الخصم في مثل مورد الآية.
نعم قد يقضي عموم الآية باستقبال جهة المسجد و إن تمكّن من مشاهدة الكعبة. و من هنا قال في المدارك- بعد أن حكى عن المعتبر إجماع العلماء كافّة على استقبال العين للقريب-: «إنّه إن تمّ كان هو الحجّة، و إلّا أمكن المناقشة فيه؛ إذ الآية الشريفة إنّما تدلّ على وجوب استقبال شطر المسجد، و الروايات خالية من هذا التفصيل» [٤].
لكن قد يقال: إنّ المراد من الآية تعميم أماكن البعيد؛ لمعلوميّة الحال في القريب، و لو قيل بإرادة الكعبة من المسجد الحرام- و لو بمعونة ما عرفت- لم يرد عليه شيء من ذلك. أمّا لو اريد من الشطر الجانب فمعلوم أيضاً إرادة جهته في نحو مفروض الآية من البعيد، و قد عرفت اتحاد جهته مع جهة الكعبة، و بالنسبة إلى القريب يمكن إرادة الجانب الذي ينطبق على عين الكعبة.
و بالجملة: لا يكاد يخفى على من له أدنى تأمّل أنّه ليس المراد من الآية كون المسجد نفسه قبلة، و إلّا لجرى الكلام و البحث في الصلاة في وسطه كالصلاة في جوف الكعبة، و من المعلوم ضرورةً خلافه. كلّ ذلك مع قطع النظر:
١- عن المراد بالآية الثانية ٥، و إلّا لو قلنا بإرادة ما يشمل القبلة من القيام فيها كانت حينئذٍ مفسّرة لهذه الآية و نصّاً في المطلوب.
٢- و عن اختلاف المسجد زيادةً و نقصاً بحيث لا يعلم مقداره وقت نزول الآية.
٣- و عن الاحتياط المطلوب في مثل الصلاة، و هو منحصر باستقبال الكعبة، بل لعلّه متعيّن هنا و إن قلنا بالتمسّك بالأصل في نفي ما شكّ في شرطيّته، لكنّ المقام- بعد التنزّل- من إجمال الشرط لا من الشك فيه، فالواجب الاقتصار فيه حينئذٍ على المتيقّن، كما هو واضح.
[١] يأتي في ص ٢٤٦.
[٢] الدرّة النجفية: ٨٨.
[٣] ٣، ٥ البقرة: ١٤٤. المائدة: ٩٧.
[٤] المدارك ٣: ١١٩.